ضعف تنزيل الخطابات الملكية في الإدارة الجمركية

الإضراب بالقطاع العام بين الحق الدستوري ومبدأ استمرارية المرفق العام.

المحكمة الدستورية بالمغرب بين المكاسب و المنتظرات

25 أغسطس 2021 - 4:09 م المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-

علي ادالقاضي ماستر الصياغة القانونية و تقنيات التشريع بالمغرب

لقد وضع المشرع المغربي فكرة مراقبة دستورية القوانين موضع التنفيذ منذ أول دستور لسنة 1962، حيث خص الغرفة الدستورية بالأمر ثم تطور القضاء الدستوري متجاوزا محدودية الاختصاص وكثرة الانتقادات بالرقي إلى مستوى مجلس دستوري مع دستور 1992. فأصبح المجلس الدستوري يحتل المكانة الرابعة في سلم المؤسسات الدستورية باعتباره هيئة مستقلة عن القضاء العادي، يتمتع باختصاصات أوسع في الرقابة على دستورية القوانين. أضف لذلك  التطورات الدستورية التي جاء بها دستور2011، الذي وسم بكونه دستور لصك الحقوق ، حيث توسيع الاختصاص وتجويد الشروط و المساطر و تنويع الإحالات لتشمل حق المواطن في الدفع بعدم دستورية بعض القوانين المثارة في قضية أمام المحكمة.

هذا ما يعطي للموضوع أهمية كبيرة خاصة بعد صدور القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، ففيه تطلع للنظر في بنيتها و اختصاصها و تحليل جوانب التطور مقارنة بالسابق لها.

هنا تطرح الإشكالية التالية:

هل تمكنت الهندسة الدستورية الجديدة من توضيح معالم قضاء دستوري متكامل؟ و هل المحكمة الدستورية باختصاصاتها و هيكلتها و بنيتها أصبحت قادرة على تطوير مجال العدالة و الحفاظ على الحقوق وحماية الحريات؟

سنعالج الموضوع من خلال مقاربة تحليلية قانونية، تستند إلى القوانين المنظمة و توضح الهندسة الكاملة للمحكمة الدستورية : طبيعة و تأليفا و اختصاصا و فعالية.

و ذلك من خلال المحورين التاليين:

  • المحور الأول : المحكمة الدستورية مؤسسة دستورية نوعية.
  • المحور الثاني : اختصاصات المحكمة الدستورية و آليات تفعيلها.

المحور الأول : المحكمة الدستورية مؤسسة دستورية نوعية

إن الارتقاء بالقضاء الدستوري بالمغرب من مجلس دستوري إلى محكمة دستورية يثير السؤال حول نوعية هذا التطور في القضاء الدستوري ، الانتقال من مجلس لمحكمة يحيل على تغييرات على مستوى التشكيل و الاختصاص. فما المتغيرات التي جاء بها دستور 2011؟ و كيف تم بسطها من خلال القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية ؟ هذا ما سنحاول مقاربته من خلال فقرتين: ستهم الفقرة الأولى المستجدات التي جاء بها المشرع فيما يتعلق بتشكيل المحكمة الدستورية في حين الفقرة الثانية ستوضح شروط و التزامات القاضي الدستوري أثناء ممارسة مهامه.

الفقرة الأولى: تشكيل المحكمة الدستورية

خصص المشرع الدستوري الباب الثامن من دستور 2011 للمحكمة الدستورية من حيث إنشائها و تأليفها و اختصاصاتها، فنص الفصل 129 على أنه: ” تحدث محكمة دستورية”. كما نص الفصل 130 و كذا المادة الأولى من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية 066.13 على أن هذه المحكمة تتألف من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، و ينقسم هؤلاء الأعضاء كما يلي:

  • ستة أعضاء يعينون بظهير ملكي، يعين الملك خمسة أعضاء من هذه الفئة وعضو سادس باقتراح من رئيس المجلس العلمي الأعلى.
  • ستة أعضاء منتخبون من طرف أعضاء البرلمان، ثلاثة أعضاء ينتخبون على مستوى مجلس النواب وثلاث أعضاء على مستوى مجلس المستشارين، عن طريق الاقتراع السري بأغلبية ثلث الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس.
مقال قد يهمك :   التعليم عن بعد والحق في السكن اللائق

و يعين الملك رئيس المحكمة الدستورية من بين جميع الأعضاء دون تمييز بحسب مصدر التعيين. و حيث إن أسلوب الانتخاب قد تعترضه بعض العراقيل التي ترجع للتجاذبات السياسية التي تظهر بين الأحزاب الممثلة في البرلمان ، فإن المشرع صرح على أنه “إذا تعذر على المجلسين أو أحدهما انتخاب هؤلاء الأعضاء داخل الآجال القانونية للتجديد ، تمارس المحكمة اختصاصاتها ، وتصدر قراراتها وفق نصاب لا يحتسب فيه الأعضاء الذين لم يقع بعد انتخابهم. كما يتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية”.

الفقرة الثانية : شروط و التزامات العضوية بالمحكمة الدستورية.

إذا كانت الدساتير السابقة من خلال تجارب كل من الغرفة الدستورية والمجلس الدستوري لم تشترط شروطا محددة بالنسبة للقضاة الدستوريين، فإنه و من أجل ضمان الكفاءة و النزاهة، جاءت إضافة دستور 2011 للالتزام باختيار الأعضاء من بين” الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، و على كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، و الذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمسة عشر سنة و المشهود لهم بالتجرد و النزاهة”. و بالتالي فالحديث عن العدالة الدستورية و دولة احترام القانون تأتي عن طريق قاض دستوري كفؤ و نزيه.

كما أن أعضاء المحكمة الدستورية مدعوون بحسب المادة (4) من القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية إلى القيام بالمهام المسندة إليهم بإخلاص و أمانة، وأن يمارسوها بكامل النزاهة في ظل احترام الدستور. ويلتزم أعضاء المحكمة الدستورية بواجب التحفظ – مادة (8) –  و عموما بالامتناع عن كل ما من شأنه أن يمس باستقلالهم و من كرامة المنصب الذي يتقلدونه.

و لا يجوز لهم خلال مدة عضويتهم بالمحكمة ما يلي:

  • أن يتخذوا أي موقف علني أو الأداء بأي فتوى في القضايا التي سبق للمحكمة الدستورية أن قضت فيها أو يحتمل أن يصدر عنها قرار في شأنها.
  • أن يشغلوا داخل حزب سياسي أو نقابة أو هيئة ذات طابع سياسي أو نقابي منصب مسؤول أو قيادي.
  • أن يسمحوا بالإشارة إلى صفتهم كأعضاء في المحكمة الدستورية في أي وثيقة يحتمل أن تنشر و تكون متعلقة بنشاط عمومي أو خاص.

و من الشروط الأساسية كذلك تجنب حالة التنافي، حيث لا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية و عضوية الحكومة  أو مجلس النواب أو مجلس المستشارين أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي و البيئي  أو كل هيئة أو مؤسسة من المؤسسات و الهيئات المنصوص عليها في الدستور.

هذا و قد أشار المشرع إلى عملية استبدال أعضاء المحكمة الذين انتهت عضويتهم و ذلك من خلال حالات حددتها المادة(12) من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية، كما يلي:

  • انتهاء مدة العضوية .
  • وفاة العضو.
  • الاستقالة و يجب أن تقدم لرئيس المحكمة الدستورية و يبتدأ مفعولها من تاريخ تعيين أو انتخاب من يحل محل العضو المستقيل.
  • الإعفاء الذي تثبته المحكمة الدستورية في حالات : مزاولة نشاط أو قبول منصب أو نيابة انتخابية تتنافى مع عضوية المحكمة أو فقدان التمتع بالحقوق المدنية و السياسية، حدوث عجز بدني مستديم أو الاخلال بالالتزامات العامة و الخاصة المذكورة في القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية 066.13.
مقال قد يهمك :   القضاة بين مطرقة واجب التحفظ و سندان الواجب الوطني

و تتم مباشرة مسطرة تعيين أو انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية الذين سيحلون محل الأعضاء الذين انتهت ولايتهم (مدة عضويتهم) قبل تاريخ الانتهاء المذكور بخمسة عشر يوما.

إن فرض شروط صعبة لتولي منصب القضاء الدستوري، خاصة فيما يتعلق بالكفاءة و الخبرة و التخصص، و تحصينها بشروط إضافية خاصة عدم التنافي و ضرورة الالتزام بالضوابط، تشكل عناصر أساسية لمبدأ الاستقلالية و التجرد و النزاهة بما يخدم دولة الحق و القانون و يحفظ الأمن القانوني.

لعل تدقيق المشرع في شروط و التزامات العضوية بالمحكمة الدستورية هدفه الأساس إبعاد القاضي الدستوري عن كل ما من شأنه التأثير على قراراته ، أو استغلال نفوذه لخدمة طرف على حساب طرف. و يبقى المبتغى الأسمى لمهمته هو الرقابة الدستورية على القوانين، و هذا ما سنعرضه من خلال المحور الثاني .

المحور الثاني : اختصاصات المحكمة الدستورية و آليات تفعيلها

إن التطور الذي شمل القضاء الدستوري بالمغرب جعل الاختصاصات التي تخولها الوثيقة الدستورية لسنة 2011 للمحكمة الدستورية متعددة و متنوعة، وذلك اعترافا بالأهمية و الأدوار التي تضطلع بها كمؤسسة دستورية، لها مكانة رفيعة و حساسة في الهندسة الدستورية. من خلال هذا المحور سنتطرق لاختصاصات المحكمة الدستورية في الفقرة الأولى، في حين ستجيب الفقرة الثانية عن أطراف الإحالة و مسطرة البت في القضايا المعروضة أمام المحكمة.

الفقرة الأولى : اختصاصات المحكمة الدستورية.

احتفظت المحكمة الدستورية بمجموعة من الاختصاصات التي كانت تمارس من طرف المجلس الدستوري، و المتمثلة في:

  1. مراقبة الأنظمة الداخلية للمجالس البرلمانية : حيث أكد الدستور في الفصل 132 على أن الأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب و مجلس المستشارين تحال على المحكمة الدستورية للبث في مطابقتها للدستور قبل الشروع في تطبيقها.
  2. مراقبة القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، فقد نص الدستور على وجوب إحالة القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها على المحكمة الدستورية للبث في مطابقتها للدستور.
  3. مراقبة صحة انتخاب أعضاء البرلمان .
  4. مراقبة توزيع الاختصاص بين البرلمان و الحكومة، أي بين مجال القانون و مجال اللائحة. فكما يختص البرلمان بمجال القانون تختص الحكومة بالمجال التنظيمي.

ثم أضاف المشرع اختصاصات جديدة مع اعتماد المحكمة الدستورية، و تتمثل في ما يلي:

  • مراقبة الأنظمة الداخلية للمجالس المنظمة بموجب قانون تنظيمي، كالنظام الداخلي للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي، و النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. و غيرها من المجالس التي يشير قانونها التنظيمي على الإحالة على المحكمة الدستورية خاصة فيما يتعلق بالنظام الداخلي.
  • الدفع بعدم الدستورية: تعتبر هذه الآلية من الآليات الجديدة للرقابة البعدية على القوانين، وقد جاءت لتحصين الحقوق و الحريات الفردية المكفولة دستوريا. حيث سيصبح بإمكان كل من له الصفة الدفع بأن القانون الذي سيطبق في النزاع المعروض على أحد المحاكم يمس بالحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور. هذا الحق رهين بصدور قانون تنظيمي ينظم كيفية إثارة الدفع بعدم الدستورية.
  • التصريح بشغور مقعد برلماني ناتج عن التخلي عن الانتماء السياسي أو الفريق أو المجموعة البرلمانية، بحسب ما نص عليه الفصل 61 من الدستور. و كدى الفصل في نزاعات الانتخابات.
  • مراقبة الاتفاقيات و المعاهدات الدولية: لقد أصبحت الرقابة الدستورية للالتزامات الدولية قبل المصادقة عليها من اختصاص المحكمة الدستورية وذلك برسالة من الملك أو رئيس الحكومة  أو رئيس مجلس النواب  أو رئيس مجلس المستشارين أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات عدد من أعضاء مجلس النواب لا يقل عن سدس الأعضاء، أو ربع  أعضاء مجلس المستشارين. و يكون البت في أجل لا يتجاوز 30 يوما ابتداء من تاريخ الإحالة، وقد تصير المدة في حدود ثمانية أيام حال حضور عنصر الاستعجال.
مقال قد يهمك :   الدستور المغربي من المواطن إلى الغير

وبذلك تجمع المحكمة الدستورية بين الرقابة القبلية والبعدية، و توفر مجال أوسع لتلقي الإحالة.

الفقرة الثانية : أطراف الإحالة على المحكمة الدستورية ومسطرة البت في القضايا.

تكون الإحالة على المحكمة الدستورية قصد البت في المطابقة للدستور، طبقا للمواد 21و22و23و24 من القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية ، برسالة من الملك  أو رئيس الحكومة  أو رئيس مجلس النواب  أو رئيس مجلس المستشارين أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات عدد من أعضاء مجلس النواب أو مجلس المستشارين بحسب الموضوع و العدد المطلوب لصحة الإحالة.

أمل بخصوص مسطرة البت فتتم بعد الاستماع لتقرير يعده عضو من أعضائها  يعينه الرئيس، وتكون مداولاتها صحيحة إذا حضر تسعة من أعضائها على الأقل. و تتخذ المحكمة قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين تتألف منهم حالة البت في قضية من القضايا المعروضة عليها ، و إذا تعذر توفر النصاب المذكور بعد دورتين للتصويت و بعد المناقشة تتخذ المحكمة قرارها بالأغلبية المطلقة لأعضائها، و في حالة تعادل الأصوات يعتبر صوب الرئيس مرجحا .

و يجب أن تتضمن قراراتها بيان النصوص  القانونية التي تستند إليها و أن تكون معللة و موقعة من قبل جميع الأعضاء الحاضرين بجلسة الإصدار، كما تنشر بالجريدة الرسمية داخل أجل لا يتعدى ثلاثين يوما من تاريخ الصدور.

خاتمة

وختاما يمكننا القول بأن المحكمة الدستورية إضافة نوعية في القضاء الدستوري المغربي، وذاك من خلال الاختصاصات الجديدة المخولة لها، و خاصة السماح للمواطنين من خلال دعوى جارية بإحدى المحاكم أن يطعنوا في دستورية القوانين التي قد تمس بحقوقهم و حرياتهم المخولة من طرف الدستور. إن من شأن اعتماد هذا الإجراء عمليا بعد صدور القانون التنظيمي الخاص به أن يحقق نقلة نوعية في تطور القضاء الدستوري و بناء دولة الحق و القانون و صيانة الحقوق و الحريات. و يبقى السؤال المطروح هو دواعي الفصل بين القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية و القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية ؟ وكذا دواعي التأخير في صدور هذا الأخير؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)