OUAHROUCH ABDELLAH: L’applicabilité du droit de la guerre face à un contexte évolutif conflits armés contemporain

تدبير الحراسة النظرية بين حماية الحقوق و ضمان الحريات

هلالي عبد الحكيم: تأثير الأزمات الإقليمية الراهنة على العلاقات العربية-العربية

23 أكتوبر 2022 - 10:05 م مقالات , القانون العام , مقالات
  • حجم الخط A+A-

هلالي عبد الحكيم، طالب باحث بسلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة

مقدمة:

دأب الإنسان منذ أصبح على درجة من الوعي تكفيه لتفسير ظاهرة الاجتماع البشري وتقييم تأثيراتها على مستوى عيشه وأمنه، إلى البحث عن أنجع السبل لتوفير أكبر قدر من الانسيابية لبنية العلاقات المتبادلة التي تقوم في ظلها. مؤسسا بذلك ما بات يعرف في أدبيات القانون العام وعلم السياسة بالاستقرار، هذا الاستقرار الذي أصبح غالبية المهتمين بالمجالات السياسية والحقوقية ينظرون إليه كأهم وسائل تماسك الاجتماع السياسي البشري، والمدخل الرئيسي لتحقيق قدر من التعاون يمكن في ظله تطوير البنى الفوقية والتحتية للمجتمع. مما يجعله بحق الفعل المحرك لعملية التنمية داخل المجتمع[1].

ولعل هذه الخصوصية التي جعلت من الاستقرار غاية ووسيلة في نفس الوقت. فهو غاية لأنه لا يمكن في ظل غيابه الحديث عن استمرار الحياة داخل المجتمع. وهو وسيلة لأن ما يخلقه من مستوى التماسك والتعاون السياسيين يمثل جوهر أي عملية لتطوير نوعية الحياة داخل هذا المجتمع. وذلك لأنه تعبير عن قدرة النظام السياسي على احتواء الأزمات والصراعات وضبطها بطريقة تلغي أو تقلص آثارها مع عدم استخدام العنف.

إن النظام العالمي الجديد في عصر العولمة الذي لا يعترف سوى بالقوة كمحرك للدبلوماسية والعلاقات الدولية، يتطلب توفر معطيات جديدة لضمان الاستقرار السياسي للدولة. تتجلى في امتلاكها قدرا من القوة والمرونة يجعلانها قادرة على احتواء الضغوط التي تمارس عليها من بيئتها الخارجية تحقيقا للإستقرار الداخلي الذي أصبح يتأثر بشكل كبير بهذه الضغوط[2].

وهكذا وكنتيجة لهذه الظروف اتجهت الدول من أجل تدعيم قدراتها في التصدي للأزمات والصراعات الداخلية والخارجية ضمانا لإستقرارها إلى الاهتمام ببناء التكتلات الدولية التي ستمنحها قدرة أكبر على تحقيق الاستقرار لما يوفره التكتل من زيادة في قدرة الدول المتكتلة على المستويات السياسية والإقتصادية والعسكرية.

غير أن ظروف المرحلة وتجارب التاريخ السياسي أكدت على أن مجرد التكتل لا يفضي إلى تحقيق الاستقرار، كما هو غاية الهدف منها وضع المجتمع في حالة معها قابلا للإستمرار والنمو وتحقيق أهدافه. وإنما يحتاج ليكون قادرا على تحقيق هذه الغايات، أن يتأسس على الإرادة الجماعية الحرة للدول المكونة له. ولا أدل على ذلك من انفراط عقد واحد من أكبر التكتلات الدولية في عقد التسعينيات من القرن الماضي هو الإتحاد السوفياتي بسبب فلسفته التكتلية القائمة على الضم القسري لمكوناته[3].

تختلف نشأة النظام العربي عن نشأة غيره من النظم الإقليمية في أكثر من مجال، فالنظام العربي لم ينشأ فقط لأن الدول السبع المستقلة -وقتئذ- قررت إنشاء جامعة الدول العربية، أو أنها شعرت بتجاوزها وحريتها النسبية في إنشاء علاقات، وبدأت تتفاعل فيما بينها، أو لأنه تصادف أن الدول المتجاورة تتشابه ثقافيا وسياسيا، وتتقارب في مراحل نموها وتطلعاتها، أو لأن التهديد الصهيوني فرض على هذه الدول التجمع والتفاعل، أو لأن القوى الدولية المهيمنة في ذلك الحين كانت تحبذ إنشاء منظمة إقليمية عربية.

لقد نشأ النظام العربي نتيجة تفاعل العديد من العوامل، فالشعوب العربية عاشت بصفة دائمة على أرضها لمئات السنين تتحدث اللغة نفسها، وتدين غالبيتها بالعقيدة نفسها، وفي أغلب الأحيان تخضع لنظام الحكم نفسه. وبالتالي فإن اختلاطها وتفاعلها وتوحدها، سبق قرار الدول السبع أن تتفاعل في شكل منظمة إقليمية[4]. وعليه فوحدة النظام الإقليمي العربي وجدت قبل وجود الجامعة العربية التي تعد إحدى أدوات ضبط تفاعلات وحدات النظام وتقويم أدائها[5].

كما أن سياسات الحكومات أدت إلى محاربة مقومات هذه القومية، فقد حفرت الحكومات العربية منذ الاستقلال خندقا بين العروبة والإسلام، بل وراحت حكومات كثيرة تحارب الإسلام كمقوم للوحدة ومعين للقيم ومنطلق للحضارة، واعتمدت سياسة الإقصاء والملاحقة لكل من يستند إلى الإسلام في فهمه ومعالجته مشكلات العصر[6].

أما الخطر المشترك أو التحديات المشتركة التي من المفترض أن توحد أطراف أي نظام إقليمي فقد كانت دوما منطلقا لمزيد من الانقسامات العربية، وهدر الحكومات العربية الكثير من الفرص للتضامن والاتحاد. فبعد أن ظل الخطر الصهيوني هو العدو المشترك لعقدين من الزمان، أدت هزيمة 1967 إلى فتح الباب أمام استسلام العرب واعترافهم بالدولة الصهيونية، وما ترتب على هذا من تعميق الانقسام العربي والاختراق الصهيوني والتبعية للغرب.

وأهدرت الحكومات العربية أيضا تحديات العولمة وهيمنة النظام الرأسمالي العالمي، ولم تستطع استخدام قدراتها الاقتصادية لبناء تكتل اقتصادي حقيقي كان بمقدوره وقف استنزاف الثروات العربية وبناء منافس اقتصادي عالمي.

كما أهدرت الحكومات العربية فرصة الحراك العربي التي مثلت طوق النجاة لحكومات المنطقة للاستقواء بشعوبها لمواجهة تحديات ومؤامرات الخارج.

لقد كان ممكنا أن تكون هذه الإنتفاضات العربية طوق النجاة للحكومات ولو بشكل تدريجي. فكل المشكلات السياسية السابقة ليست قدرا مقدورا وليست عيبا في الجينات العربية كما يروج البعض، وإنما هي نتيجة منطقية لسياسات اختارتها النخب الحاكمة وهي بالتالي لا تعبر عن ثقافة عربية ولا تسأل عنها الشعوب.

ولا شك أن اختيارات النخب أدت إلى إفساد طبقات مختلفة في كل قطاع وتفشى الجهل والأنانية، إلا أن علل الشعب هي نتيجة لمرض آخر وليست سببا له.  وقد عانت شعوب أخرى من ذات العلل إلا أنها استطاعت الخروج من مشكلاتها عندما ثارت الشعوب وتمسكت بحقوقها وعندما ظهرت نخب وطنية راحت تقرأ الواقع بشكل صحيح وتتعامل مع تحديات الداخل والخارج بحكمة وتترجم حقوق الشعب ومطالبه لاستراتيجيات وسياسات وبرامج عمل.

وقد كان من الطبيعي أن يترتب على كل أوجه الخلل السابقة فشل الحكومات العربية في أي عمل عربي مشترك. فبخلاف التنسيق الأمني القوي بينها للإبقاء على سياسات السيطرة على الشعوب وقمع المعارضين، فشل العرب في التعاون في المجالات الأخرى التجارية والاقتصادية والسياسية والإجتماعية..

أما القضية المركزية للعرب فسيذكر التاريخ كيف أن الحكومات العربية بتخاذلها وبخلافاتها البينية أهدرت فرصة حقيقية للدفاع عن قضية عادلة وضاعفت من معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، لينضاف إلى هذه النكسة العربية نكسات أخرى تتمثل في الأزمة السورية واليمنية أساسا.

أهمية الموضوع:   تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تحاول طرق موضوع الوحدة العربية بمنظور جديد، يتجاوز التجريد المعرفي المبني على المسلمات المثالية البحثة، التي درج معظم المفكرين العرب المهتمين بهذا المجال إلى التشبث بها مدخلا لمعالجته.

فنحن نريد في هذه الدراسة إبراز مقاربة جديدة لكل من حتمية الوحدة العربية، ووحدة المصير تتماشى مع ظروف وواقع الأمة. ذلك أن الوحدة هي السبيل الأوحد للخروج من الواقع الراهن. ولا يعني ذلك ارتهاننا لواقع الأزمات العربية الحالية بكل مساوئها. بل هي محاولة لتوظيفها من أجل تحقيق الأهداف، وذلك إيمانا بعدم إمكانية تجاهله.

وتتجسد فكرتنا حول تجديد المفاهيم من انطلاقنا في هذه الدراسة من مفهوم الأزمة وربطه بالنظام العربي. وتركيزنا على إشكالية تأثير الواقع العربي الراهن في السياسة العربية، بل إن تدويل الأزمات العربية وإعطائها صبغة دولية لم يكن بمحض الصدفة، وإنما للتأثير والترابط العالمي بالقضايا العربية الإقليمية. وهكذا فإن الدراسة تعنى بالأزمات كوسيلة لبناء القدرة على مواجهة المصير المشترك. وذلك لتصورنا أن بناء الوحدة في ظل واقع الأزمة والتجزئة يفرض نوعا من التدرج. وأن الحديث عن مواجهة المصير المشترك في ظل عدم الاستقرار السياسي هو نوع من تضييع الوقت. فمواجهة المصير المشترك والأزمات العربية الراهنة، تستدعي تظافر الجهود وتحقيق مستوى عال من العمل المشترك كآلية ضرورية لإنجاح هذه المواجهة.

إن ما يشهده العالم العربي اليوم، إنما هو ثمرة ما زرعته الأنظمة العربية طوال عقود من الزمن. فالدول العربية ظلت إبان فترة بعد الإستعمار الغربي رهينة للسياسة الغربية، حيث أنها لم تستطع التأسيس لدول حديثة ديمقراطية مستقلة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.. وما الحراك العربي الذي انطلق أواخر 2010 إلا تعبير عن رفض شعبي لسياسات الأنظمة الحاكمة. فكان المآل هو التمزق والتشرذم داخل مؤسسات الدولة الواحدة، وأصبحت الدول العربية التي شهدت الإنتفاضات غير قادرة على إعادة الاستقرار السياسي الذي قد يتبعه استقرار على المستوى الاقتصادي والإجتماعي، وبالتالي تفادي كل ما وصل إليه العالم العربي من أزمات تهدد وجوده وكيانه.

إشكالية الدراسة:

أي وضعية يعيشها النظام العربي بعد عقد من حراك 2011 المفضي إلى الأزمات الإقليمية الراهنة؟ وما مدى تأثير ذلك على الوطن العربي عموما وعلى العلاقات العربية-العربية خصوصا؟

المبحث الأول: قراءة في ضوء التغيير العربي

تزامنت نهاية 2010 مع اندلاع انتفاضات قام بها شباب الوطن العربي، انبرى العديد من المتتبعين على توصيف هذه الأحداث، فتم الحديث عن ربيع عربي، حراك شعبي، انتفاضة، ثورة[7]… وقد توزع هذا الحراك على ميادين متعددة شكلت الحاضن لهذا الغليان الشعبي.

إن الوقوف المتأني على الظروف والملابسات التي أنتجت وواكبت هذا الحراك، يبين وجود تشابه كبير بين بواعثه وأهدافه. وقد عرفت كثير من الأنظمة السياسية في الوطن العربي تواجدا لحزب حاكم بعينه منذ استقلالها أو في الحد الأدنى منذ اعتماد الانتخابات بالبلاد العربية. وكان من شأن هذا التواجد الطويل أن تكرست مظاهر العبث بالحياة السياسية عبر وضع دساتير وتكريس أنظمة سياسية تخدم مصالح المجموعة الحاكمة، بل أنشئت “معارضة” آلية ضامنة لشكلية العملية الديمقراطية. وسرعان ما سادت نتيجة لذلك عقلية التوريث الرئاسي في الوطن العربي (مصر مبارك وليبيا القذافي وصالح اليمن…) بشكل استفز شعور جمهور الشعب العربي وجل نخبه ومثقفيه في مختلف أمصاره[8].

هكذا تم تمييع العمل السياسي عبر المؤسسات المنتخبة ذات طابع صوري مصطنع ناهيك بأنها لم تتوقف عن ضرب قوى المعارضة واعتقال الخصوم والتضييق عليهم… وأمام هذه الوضعية المزرية ظهر الحراك وكأنه الوسيلة الوحيدة الممكنة أمام الشعب للانعتاق ولتحقيق تطلعاته في التحرر والكرامة والعيش الكريم.

المطلب الأول: السياق العام للتغيير العربي

الحراك العربي هي حركات احتجاجية سلمية ضخمة انطلقت في بعض البلدان العربية خلال أواخر عام 2010 ومطلع 2011، بدأت في تونس عندما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، فاندلعت بذلك الثورة التونسية، وانتهت في 14 يناير عندما غادر زين العابدين بن علي البلاد إلى مدينة جدة السعودية، واستلم من بعده السلطة محمد الغنوشي الوزير الأول السابق، وبعدها بتسعة أيام، اندلعت الاحتجاجات في 25 يناير[9] بمصر تليها بأيام في اليمن، وفي 11 فبراير التالي أعلن محمد حسني مبارك تنحيه عن السلطة، ثم سجن وحوكم بتهمة قتل المتظاهرين. وإثر نجاح الثورتين التونسية والمصرية بإسقاط نظامين بدأت الاحتجاجات السلمية المطالبة بإنهاء الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية بل وأحيانا إسقاط الأنظمة بالانتشار سريعا في أنحاء الوطن العربي الأخرى، فبلغت الأردن والبحرين والجزائر والسعودية والسودان والعراق وعمان والكويت ولبنان وموريتانيا والمغرب.

مقال قد يهمك :   نور الدين لعرج: التغيير الإلزامي للشكل القانوني للشركات التجارية في التشريعين القطري والمغربي

 وفي 17 فبراير اندلعت المظاهرات في ليبيا[10]، التي سرعان ما تحولت إلى أحداث مسلحة، وبعد صراع طويل تمكن ما سمي بالثوار من السيطرة على العاصمة في أواخر شهر أغسطس عام 2011، قبل مقتل معمر القذافي في 20 أكتوبر من نفس السنة خلال معركة سرت، وبعدها تسلم السلطة في البلاد المجلس الوطني الانتقالي. وقد أدت إلى مقتل أكثر من خمسين ألف شخص. وبعد بدء الأحداث الليبية بشهر تقريبا، اندلعت حركة احتجاجات سلمية واسعة النطاق في سوريا في 15 مارس، وأدت إلى رفع حالة الطوارئ السارية منذ 48 عاما وإجراء تعديلات على الدستور، كما أنها أوقعت أكثر من ثمانية آلاف قتيل ودفعت المجتمع الدولي إلى مطالبة الرئيس بشار الأسد بالتنحي عن السلطة. وفي أواخر شهر فبراير عام 2012 أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تنحيه عن السلطة التزاما ببنود المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية، التي كان قد وقع عليها قبل بضعة شهور عقب الاحتجاجات العارمة التي عصفت بالبلاد لعام كامل.

المغرب أيضا لم يسلم من هذه الاحتجاجات بقيادة حركة 20 فبراير التي حققت ما لم تحققه كل الهيآت والأحزاب المنظمة في المغرب، والدليل أنها استقطبت أو شجعت كل الفئات الدنيا إلى المطالبة بحقوقها وهو ما تجسد في الإضراب الذي أقدم عليه الأساتذة الموجزون والدكاترة وكذا المعطلون الموجزون. حيث استغلوا الحراك الاجتماعي جميعا من أجل رفع سقف مطالبهم المشروعة من جديد، وخلاصة المطالب كانت: ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، استقلال القضاء، ومحاسبة المفسدين وناهبي المال العام.

 وبعد سلسلة المظاهرات والمسيرات، أعلن الملك محمد السادس مشروع الدستور الجديد للمملكة الذي عرض على الشعب من أجل الاستفتاء، وقال الملك في خطاب وجهه إلى المغاربة في 9 مارس 2011 وصف بالخطاب الغير العادي[11]، أن الدستور الجديد ارتكز على سبع نقاط أساسية، من بينها تعزيز فصل السلطات، والإبقاء على الثوابت الخاصة بالدين الإسلامي، وعلى إمارة المؤمنين، وإعطاء مكانة للأمازيغية، وتكريس الطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وضمان ممارستها، وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

في الحقيقة لم يتمكن من التنبؤ بتلك الموجات الاحتجاجية إلا القليلون.. ففي البداية بدت الاضطرابات التي اجتاحت تونس في ديسمبر 2010 كسابقاتها. ولكن عندما بدأت المظاهرات تشكل تهديدا حقيقيا لزين العابدين بن علي، ذهب البعض إلى أنها يمكن أن تمتد إلى بلدان عربية أخرى.

وعندما اندلعت الاحتجاجات على امتداد المنطقة، من مصر إلى اليمن والأردن، ظنت الغالبية أن الأنظمة العربية سوف تكون على أهبة الاستعداد لتجنب المصير المؤلم للرئيس التونسي. ففشل تلك الحركات المعارضة على مدار عقد من الزمن في زحزحة الأنظمة الأوتوقراطية – ترك المراقبين في حالة من الحذر والشك. لقد باغتت المظاهرات التي اندلعت في تونس الجميع بقوتها ونجاحها بل وأدهشت المتظاهرين أنفسهم[12].

المطلب الثاني: محركات التغيير في العالم العربي

 تعتبر الانتفاضات العربية حصيلة لمجموعة من العوامل الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بجانب العوامل الخارجية التي كان لها دور محدود، وبالتالي شكلت هذه الحركات العربية الداعية للتغيير السياسي زعزعة لبنية الدولة في العالم العربي مما ساعد في سقوط بعض الأنظمة العربية، لذلك كان لها دور فاعل في إحداث التغيير السياسي في المنطقة العربية[13].

وبالرغم من الثروات البشرية والطبيعية الهائلة التي تتمتع بها المنطقة العربية، فإنها شهدت في العقود الأخيرة خللا كبيرا في منظومة توزيع الثروة، إذ استأثرت نخب ضيقة ذات ارتباط وثيق بالسلطة بمقومات الثروة، بينما همشت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية.

وقد تزايدت تلك الظاهرة في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، مع التوجه لتبني آليات السوق والتجارة الحرة، وتراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

 كما تعاني المنطقة العربية القمع والاستبداد، وغياب الحقوق والحريات، وانتهاكات واسعة كحقوق الإنسان، مع تركيز السلطة في يد نخب ضيقة مرتبطة بالحزب أو الأسرة الحاكمة[14].

 وقد أسهمت عدة عوامل في اندلاع الاحتجاجات في الشوارع العربية وسنحاول باختصار أن نلقي الضوء على أهم هذه الدوافع المحركة للحركات الاحتجاجية في مجمل الدول العربية:

  • الطفرة الشبابية:

تشهد المنطقة العربية ما يعرف بالطفرة الشبابية، وتعاني هذه الفئة العمرية مظاهر إقصاء اقتصادي واجتماعي وسياسي، جعلتها في مقدمة الفئات المطالبة بالتغيير والمحركة له. وتعد البطالة من أهم المشاكل التي يعانيها الشباب في العالم العربي خصوصا في أوساط الشباب المتعلم الحاصل على تعليم عالي، كما يعاني الشباب أيضا من تدني مستويات الأجور وسوء ظروف العمل، وقد أثر كل ذلك بالسلب على الظروف الاجتماعية للشباب في الوطن العربي. حيث تفشت ظاهرة العنوسة وتأخر سن الزواج بشكل كبير، لذلك لجأ الشباب إلى شبكات التواصل الاجتماعي للتواصل مع بعضهم وللتعبير عن عدم رضاهم عن الأوضاع القائمة وكذلك لتنظيم فعاليات احتجاجية نجحت في كسر حاجز الخوف الذي فرضته النظم العربية على شعوبها لعقود طويلة.

  • التهميش الاقتصادي والاجتماعي:

على الرغم من الثروات البشرية والمادية الهائلة التي تتمتع بها دول المنطقة، فان النظم العربية أخفقت في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، لا تزال قطاعات واسعة من الشعوب العربية تعاني الأمية والبطالة وتدني مستويات الدخل وغياب الخدمات والمرافق، كما أن الفجوة بين الطبقات والمناطق في الدولة الواحدة في اتساع مستمر. وقد أدى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتفشي الفساد بشكل واسع، واستئثار نخب ضيقة مرتبطة بالسلطة بعوائد التنمية الى تزايد حالة السخط السياسي والاجتماعي، وظهور حركات احتجاجية على نطاق واسع في كثير من الدول العربية.

كما أدى تبني العديد من الدول العربية لسياسات التحرير الاقتصادي واقتصاد السوق في السنوات الأخيرة، وتراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية بشكل ملحوظ مما أدى إلى تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي وشعور المواطن في هذه الدول بأن مستويات المعيشة لا تتحسن بل تتراجع[15]، ولا تتواكب مع ما تعلنه الحكومات من أرقام في هذا المجال، فعلى الرغم من الارتفاع النسبي في معدلات النمو الاقتصادي للدول العربية، إلا أنه ليس المعبر الحقيقي عن قوة الاقتصاد، فالأمر متعلق بسوء وعدم عدالة توزيع عوائد النمو، وفي هذا الصدد تشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى أن الدول العربية تحتل مراتب متقدمة في مؤشرات الفساد بين دول العالم، بل أن هذا التقدم يزداد من عام إلى آخر مما يدل على عدم اتخاذ سياسات ملائمة لمحاربة الفساد على مجمل دول الحراك العربي، وتعتبر ليبيا واليمن وسوريا من أكثر الدول فسادا وفقا لتقارير المنظمة يليها مصر تونس، ومن المعروف أن آثار الفساد لا تقتصر على تداعياته المادية فقط، بل تمتد إلى خلفيات اجتماعية وأخلاقية، ليخلق نوع من الإحباط والإقصاء والسلبية وعدم تكافؤ الفرص، لينعكس ذلك على الموقف الأخلاقي في الفرد والمجتمع داخل الدولة وعلى أدائها السياسي والكفاءة الاقتصادية والاستثمارية، كما تشير دراسات البنك الدولي الى ارتفاع معدلات التضخم ومعاناة الشعوب من ارتفاع الأسعار ونقص وسوء التغذية، وذلك في ظل الارتفاع غير المسبوق لأسعار السلع الغذائية، وكذلك في ظل فشل سياسات الدعم الحكومي في مساعدة الفئات الأكثر فقرا.

هذا بالإضافة إلى فشل النظام الحكومي في معالجة تلك المشاكل ومعوقات النظام السياسي، مما أوجد أرضية خصبة للاحتجاجات نتيجة لشعور الطبقات الفقيرة بانعدام العدالة وعدم توافر الحاجات الأساسية بالنسبة لهم والقهر الاجتماعي، وبالتالي قامت هذه الاحتجاجات لتعبر عن رغبة المواطنين في تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية وهذا ما ظهر جليا في كل من مصر وتونس..

  • غياب الحريات السياسية:

تشترك غالبية الدول العربية بالجمود السياسي وعدم ممارسة الديمقراطية الحقيقية، وأهم معانيها تبادل السلطة والتعددية السياسية. فمعظم الدول الشرق الأوسط هي ذات نظم تسلطية واستبدادية يقع بعضها في جغرافية العالم العربي، وبالتالي في ظل هذه الأنظمة تنعدم مظاهر التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وحرية التعبير والإعلام، وبالتالي هي أسباب كافية لاندلاع الحراك العربي. وهذه الحقيقة لا يمكن تغطيتها بالانتخابات الشكلية والحياة النيابية المقيدة، التي يشوب انتخاباتها الشك بنزاهتها ومدى تعبيرها عن نبض الشارع. ثمة قوى سياسية في بعض الدول العربية تحظى بهامش حرية نسبية، ولكن بالمحصلة لا يوجد تداول للسلطة. وأدى ذلك إلى فقدان الأمل في أي تحسن أو تغيير في ظل تلك الأنظمة التي كانت مهيمنة في بلدان الربيع العربي.

  • انعدام الوحدة الوطنية:

شهدت الدول العربية في السنوات الأخيرة تصاعد الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، خاصة في تلك الدول التي تتمتع بقدر عال من التنوع العرقي والديني والاثني. وقد نتجت هذه الظاهرة عن عوامل مختلفة عدة، في مقدمتها قيام النظم السلطوية لعقود طويلة بحجب الحريات الثقافية والدينية، وبحرمان جماعات مختلفة من حق التعبير بحرية عن هويتها وعن ثقافتها وعن عقيدتها.  فلو كان في البلدان العربية ديمقراطية حقيقية لكان التنوع الديني والمذهبي والعرقي من أسباب قوتها، إلا أن غياب الديمقراطية يعني أن يصبح التنوع سببا للاحتكاك والتناحر، بدل أن يكون قوة لها[16].

  • العامل الخارجي:

التطور الأخير الذي أثر بشكل كبير في استقرار المنظومة السلطوية في العالم العربي مرتبط بتصاعد دور الفاعلين الدوليين والإقليميين في السياسات الداخلية لدول المنطقة في السنوات الأخيرة.

 فالتدخل الخارجي ليس بجديد على المنطقة العربية، ولكنه كان في فترات سابقة مرتبطا بالأساس بترسيخ النظام الإقليمي الذي وضعته القوى الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين، وبدعم النظم السلطوية الموالية للغرب[17].

بالرغم من ذلك، ففي السنوات الأخيرة، دعم تقوى دولية وإقليمية مبادرات تخلب استقرار النظام العربي القائم وبالنظم السلطوية في المنطقة، خاصة تلك التي تبنت مواقف مناهضة للولايات المتحدة.

مقال قد يهمك :   محمد المحجوبي: الآليات الدستورية في ضبط الحياة السياسية بالمغرب

وقد تجلى هذا التوجه في سياق التدخل الأمريكي في الصومال والاحتلال الأمريكي في العراق ودعم الانفصال في جنوب السودان ومحاولات عزل حماس في قطاع غزة.

ومن ناحية أخرى، شهدت الفترة الأخيرة تصاعدا في نفوذ قوى إقليمية صاعدة، مثل إيران وتركيا، بدأت تؤثر بشكل ملحوظ في مجريات الأمور في العالم العربي.

 وبالنسبة لإيران فقد تولت ريادة المعسكر المناوئ للسياسات الأمريكية في المنطقة، وقامت بدعم نظم وحركات راديكالية مثل نظام الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين والتمرد الحوثي في اليمن.  مما دفع البعض للتحدث عن بدء حرب باردة جديدة في المنطقة بريادة مصر والسعودية، والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية[18].

المبحث الثاني: مظاهر التحول في النظام الإقليمي العربي:

لقد أدت عوامل عدة، يمكن وصفها بالظواهر، إلى تغيير قواعد اللعب في المنطقة العربية وإعادة ترتيبها. وقد مثلت هذه الظواهر فرصا وتحديات في آن واحد لصانعي القرار العاملين في المنطقة، بحيث سعت بعض القوى العظمى والقوى الإقليمية إلى توظيف هذه الظواهر في خدمة مشاريعها الإقليمية، في حين عانت معظم دول المنطقة من آثار تلك الظواهر.

المطلب الأول: القومية العربية والتحول في مركز صنع القرار العربي

أولا: انتقال مركز النظام الإقليمي العربي من مصر وسوريا إلى دول الخليج.

بدأ الدور الخليجي في السياسة الإقليمية بالتصاعد تدريجيا مع تزايد القدرة المالية لهذه الدول. وخلال العقود الأخيرة أتاح صعود اقتصادات الدول الخليجية، وخروج العراق من المعادلة العربية، الفرصة لكل من السعودية وقطر والإمارات للعب أدوار إقليمية مهمة، ساعد على بروزها وجود رغبة حقيقية لدى قادة هذه الدول للعب أدوار إقليمية ودولية أكبر. وقد ساعد هذه الدول على ذلك عدم وجود معوقات بنيوية حقيقية أمام قيادات هذه الدول في عملية صنع القرار (خصوصا في السياسة الخارجية)، فلا يوجد تعقيد مؤسسي كبير في عملية صنع القرار، ولا توجد معارضة شعبية ذات وزن، ولا يتجاوز عدد صناع القرار -عادة- بضعة أشخاص، مما يتيح القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وتغيير أي سياسة بسهولة نسبية[19].

وشهدت الأعوام الأخيرة دخول الدول التي كانت تقود المحاور، في الفترة السابقة للحراك العربي، في تحولات سياسية كبرى أنهكت هذه الدول وأضعفت اقتصاداتها وهمشت أدوارها الإقليمية، فأصبحت مصر مرتهنة للسياسات الخليجية، وسوريا مرتهنة للسياسات الإيرانية، مما قزم من الأدوار التي كانت تلعبها هاتان الدولتان القائدتان. ولم تستطع دول عربية أخرى كالجزائر أو السودان تعويض الأدوار التي اضطلعت بها سوريا ومصر لأسباب عدة، فأصبحت الفرصة سانحة لدول خليجية عدة لملء الفراغ العربي.

لعله من المهم الإشارة إلى أن النظام الإقليمي العربي لم يعد له مركز واحد واضح أو مركزان متنافسان كما كان الحال من قبل، فالواقع أنه أصبح مفككا تتجاذبه القوى والمحاور. فالصعود الخليجي لم يجعل من السعودية مثلا مركزا أوحد للإقليم، وإنما جعل منها مركز ثقل في إقليم مفكك، تحظى فيه بعض الدول غير العربية بمركزية وحضور يتجاوز حضور الكثير من الدول العربية. ويتوقع أن يستمر التفتت الحالي، ويزداد، ويتوسع نطاقه، ولكن دون أن تتوافر المقومات اللازمة لتحول استراتيجي كبير في أي مدى منظور[20].

ثانيا: تراجع سلطة ونفوذ الدولة القومية الحديثة في المنطقة العربية.

تتبنى المدرسة الواقعية التقليدية وجهة النظر القائلة بأنه في عالم تسوده الفوضى (من دون حكومة عالمية) فإن “الدولة” هي الكيان الأهم في السياسة الدولية، وأنها صاحبة الحق الحصري والقدرة على استخدام العنف من أجل الدفاع عن هيبتها وتماسكها في وجه التحديات الداخلية والخارجية. ولكن ظاهرة العولمة وانتشار تكنولوجيا المعلومات والإنترنت جعلت من قدرة الدولة على السيطرة شبه المطلقة أمرا مستحيلا، كما جعل تبادل المصالح بين الدول من مسألة الاستقلالية التامة أمرا شبه مستحيل.

هذه التطورات التي تمت عبر السنين أثرت ولا تزال تؤثر على جميع دول العالم بما فيها القوى العظمى، وإن بصور متفاوتة، إلا أنها أضحت شديدة التأثير على الدول العربية خصوصا بعد اندلاع الحراك العربي وما تلاه من ثورات.

فالكيانات السياسية العربية التي قامت إثر انتهاء الحربين العالميتين الأولى والثانية فرضت على المجتمعات العربية فرضا بفعل الاستعمار، فأصبح العرب موزعين على أكثر من عشرين كيانا سياسيا تحوي في داخلها أخلاطا عرقية ودينية وطائفية معقدة. ولسوء الحظ، فقد فشلت معظم الأنظمة السياسية العربية في بناء دول ذات مؤسسات تسودها القيم الديمقراطية، أو يحظى فيها المواطن بحقوقه ويتشارك مع غيره من أبناء مجتمعه في تحقيق عيش كريم مشترك. وعلى النقيض من ذلك، فقد سيطرت أنظمة حكم استبدادية على دول شديدة التنوع في مكوناتها الاجتماعية والدينية والثقافية، وحاولت فرض هيبتها بالقهر، مما جعل الفشل والانفجار مسائل حتمية تنتظر الوقت المناسب.

وبعد فترة الحراك العربي وجدت فرصة تاريخية لإعادة تشكيل أنظمة الحكم بصورة تتلاءم مع حاجات المجتمعات العربية، وتلحق بالتطور الذي وصلته المجتمعات الإنسانية الأخرى حول العالم. ولكن، ولظروف عدة، لم تنجح هذه المحاولة، بل انزلقت معظم الدول العربية إلى أتون حروب داخلية فتحت الباب للتدخل الخارجي ليزيد من تعقيد المشهد.

في ظل هذا الوضع، أصبح تراجع سلطة الدولة المركزية وفشل مؤسساتها في رعاية الشؤون العامة حقيقة شاخصة، فبدأت قوى مجتمعية عديدة بالبحث عن لافتات بديلة تحميها أو تحقق لها أحلاما تاريخية، فبدأ جنوب اليمن بالبحث عن كيانه من جديد، وبدأ أكراد العراق وسوريا بالابتعاد عن الحكم المركزي، وأصبحت النزعة القبلية أو الطائفية أكثر وضوحا في العالم العربي، وأضحت الدول العربية أكثر هشاشة من أي فترة مضت من تاريخها الحديث.

هذا المشهد الممزق يعني أن أي تدخل خارجي –إقليميا أو دوليا- سيدفع ببعض المشاريع الفئوية للأمام، ويسهل انفصال أو تشكل كيانات ودويلات جديدة داخل الدول الهشة. ويساعد على تحقيق ذلك وجود رغبة لدى بعض القوى الخارجية التي تجد في الكيانات العربية الكبرى تعطيلا لمصالحها أو تحديا لقدرتها على بسط نفوذها في المنطقة، وما تفتيت يوغوسلافيا عنا ببعيد.. فاليمن يمكن أن يصبح يمنين أو ثلاثة، وسوريا يمكن أن تصبح دولتين أو ثلاثة وهكذا دواليك.

خلاصة الأمر أن المنطقة العربية مقبلة على مزيد التجزئة والتقسيم، ولن يوقف هذا الخطر سوى نجاح مشروع سياسي وحدوي في إحدى الدول العربية المركزية، وهذا ما لا توجد له أي بوادر في المرحلة القريبة المقبلة.

المطلب الثاني: الفاعلين الجدد في النظام الإقليمي العربي

أولا: صعود وأثر الحركات والفاعلين غير الدول

تعاظم دور الحركات السياسية والفصائل المسلحة بالمنطقة العربية أكثر من أي منطقة أخرى في العالم. فقوى مثل داعش قبل دحرها والقاعدة وحزب الله وحماس والإخوان والحوثيون تملأ النشرات الإخبارية، وتحوز الكثير من اهتمام ووقت صناع القرار في المنطقة والعالم.

هذا التوجه هو تعبير عن ظاهرة متنامية في المنطقة العربية والشرق الأوسط والعالم عموما وهي تصاعد أدوار القوى غير الدول، وهي تتزامن مع تداعي سلطة الدولة القومية الحديثة وتراجع نفوذها داخليا وخارجيا[21].

إن المهتم بالصراع في سوريا يدرك أن الفاعلين الرئيسيين، إضافة إلى بعض الدول، هي القوى المسلحة والجماعات السنية والشيعية سواء كانت محلية أم أجنبية. والمشهد في اليمن أيضا يظهر سيطرة دور مليشيات الحوثي في مواجهة الدولة التي تراجعت مؤسساتها في مقابل صعود القبائل ومليشيات المقاومة الشعبية. ولعل صمود حماس وقوى المقاومة الفلسطينية في وجه أقوى جيش في المنطقة لأكثر من 50 يوما، دليل آخر على تنامي قوة الحركات والفاعلين غير الدول، مقابل تراجع قدرة الدول على السيطرة.

ليس من المتوقع هنا تغير هذه الظاهرة في الوقت القريب، بل ستستمر سلطة الدول في التراجع مقابل تصاعد نفوذ الحركات والمليشيات المختلفة الأثنية والطائفية[22].

ثانيا: تصاعد أدوار القوى الإقليمية غير العربية والقوى العظمى في المنطقة العربية

وجدت القوى الإقليمية والدولية من الحراك العربي فرصة كبيرة للدخول إلى المنطقة العربية واختراقها. فانهيار وتضعضع أنظمة مركزية قوية كالنظام المصري والليبي والسوري واليمني سمحت لقوى إقليمية مختلفة كإيران وتركيا بالدخول على المعادلات المحلية لهذه الدول. وقد تفاوت هذا التدخل بين تأثير سياسي أو إعلامي في بعض الحالات، وتدخل عسكري مباشر أو غير مباشر في حالات أخرى. واستغلت القوى العظمى بدورها هذه الفرصة السانحة لتعزز من وجودها في المنطقة كما فعلت الولايات المتحدة، أو تبحث عن دور مفقود كما فعلت روسيا وفرنسا، وكانت نتيجة هذا التدخل الأجنبي أن أصبحت مصائر بعض الدول العربية مرتبطة بشكل مباشر بالقرارات الدولية، بينما أصبحت بعض القوى المحلية أشبه بأحجار متحركة على رقعة شطرنج مشتعلة.

المهم هنا أن هذه القوى الإقليمية والدولية جاءت لتبقى وتحصل على نصيبها من كعكة المنطقة، وستستمر في لعب أدوار محورية في رسم مستقبل المنطقة العربية وتحديد شكل خريطتها المستقبلية.

خاتمة

خلاصة القول يمكن إجمالها في عشر نقاط أساسية[23]:

أولا: إن الأزمات العربية، وإن بدت منفصلة جغرافيا، ومتباينة من حيث طبيعتها وظروفها وهوية الأطراف الفاعلة فيها، ينظمها خيط جامع، وتوحدها عناصر مشتركة. فالأغلبية الكاسحة من هذه الأزمات نتاج مباشر لظاهرة “الفراغ الاستراتيجي” التي نشأت عن أحداث 2011 وما تلاها، حيث أفرزت هذه الأحداث، عددا من الصراعات الخطيرة التي كان من شأنها إضعاف وإسقاط حكومات وكيانات سياسية ومنظومات أمنية كانت تتحكم في أعداد هائلة من السكان وتسيطر على مساحات من الأراضي. وكان من محصلة ذلك أن بزغ فراغ خطير، من الناحية الأمنية والسياسية، في قلب العالم العربي وأطرافه. وهذا الفراغ هو محور الصراعات الجارية حاليا في المنطقة، ذلك أن السياسة لا تقبل الفراغ، والأمن لا يتعايش مع غياب السلطة.

ثانيا: إن زلزال 2011 ضرب المنطقة في وقت لم يكن فيه النظام العربي في أفضل أحواله، بل كان منقسما على ذاته بين محاور مختلفة وتتجاذبه تيارات متباينة، اختار البعض أن يصنفها بـ”الاعتدال والممانعة”. وقد أدت الصراعات التي نشأت بعد 2011 إلى مفاقمة هذا الاستقطاب بل وتفجيره في صورة نزاعات بالوكالة، وصراعات مسلحة، تورطت فيها أطراف مختلفة، من داخل المنطقة وخارجها. وتداخلت الصراعات وتشابكت إلى حد صار معه صعبا تبين مصالح كل طرف وغاياته. وكان من شأن هذا الوضع أن يفضي بالعالم العربي إلى هاوية حقيقية لو أن السياسات العربية استمرت على حالها من التشرذم والتخبط والتضارب.

مقال قد يهمك :   عبد الرحيم حزيكر : مراقبة المحافظ على الأملاك العقارية للسندات المؤيدة لطلبات التقييد من خلال القانون 07-14

ثالثا: إن العرب لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام واقع الفوضى والتشرذم، إذ تشكل إدراك واسع بين القيادات والشعوب العربية لضرورة استعادة زمام المبادرة وتكوين جبهة عربية لمواجهة أخطر التحديات التي تواجه الدولة الوطنية كمحل أعلى للولاء والانتماء، وبرز، بالتدريج، توافق بين دول عربية رئيسية حول توصيف الخطر وتحديد ماهية التهديد، وكان ذلك نقطة البداية الصحيحة للخروج من النفق المظلم. لقد أدركت الدول العربية أن الخطر ليس موجها لمصالح هذه الدولة أو تلك، وإنما لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة ذاته، وأن التهديد – بهذا المعنى – شامل في مداه وخطير في أبعاده، وأن مواجهته تتطلب شمولا في الرؤية ووحدة في التحرك وتنسيقا في العمل بين الدول العربية.

رابعا: برغم توفر قدر أكبر من التوافق بين الدول العربية الرئيسية في تعيين التهديدات المشتركة، وبرغم ما تحقق على صعيد مواجهة بعض من هذه التهديدات الخطيرة وعلى رأسها خطر تنظيم داعش الذي جرى دحره واستئصاله من المدن التي كان يسيطر عليها، إلا أنه لا يمكن القول بأن ثمة “استراتيجية موحدة” للتعامل مع التهديدات، أو أن هناك أجندة واضحة، تشترك فيها الدول العربية جميعا وتجمع عليها، لمواجهة المخاطر والتحديات. ليس هناك – مثلا – ما يمكن أن نطلق عليه “سياسة عربية إزاء الأزمة السورية”، نعم هناك قرارات صادرة عن مجلس جامعة الدول العربية تحدد الموقف العربي الجماعي من هذه الأزمة، إلا أنه لا توجد “استراتيجية للفعل والتحرك”. هناك، وللأسف، استراتيجية إيرانية، وأخرى تركية، وثالثة روسية… وغيرها.

خامسا: كان من نتيجة هذا الوضع المؤسف غياب أي نقاش جماعي جدي للقضايا الاستراتيجية العربية في سياقها الشامل. ثمة جملة من المخاطر تواجهها كل دولة، أو مجموعة من الدول، فرادى.

سادسا: إن الأمن القومي العربي ما زال يجري التعامل معه بمنطق التجزئة إلى ملفات. فهناك ملف لمكافحة الإرهاب، وآخر لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وثالث للخطر الإيراني، ورابع للأطماع التركية، وخامس لأزمات اللاجئين وإعادة الإعمار… وهكذا. إن هذا النهج القائم على تجزئة القضايا والملفات لا يسمح بحشد القوة العربية الإجمالية في التعامل الناجع والفعال مع أي من هذه الملفات الخطيرة والضاغطة، بل يترك كل دولة عربية – أو مجموعة من الدول – لمواجهة ما تراه تهديدا مباشرا لها ولأمنها ووجودها ومصالحها.

سابعا: إن الخصوم الإقليميين يوظفون هذا الوضع لصالحهم، وينفذون من ثغرات في الجسد العربي. ولا سبيل للتصدي للتدخلات الإقليمية بصورة فعالة، إلا عبر مناقشة هذه التدخلات والتهديدات جميعها كملف واحد متكامل.

ثامنا: إن التعامل الناجع مع التهديدات الإقليمية، والأطماع المحدقة بالعالم العربي، يكون بسد الثغرات التي نفذ منها الطامعون، وتجسير الفجوات التي تسلل من خلالها الطامحون. إن ترسيخ الدول الوطنية، وإنهاء حالات الصراع والحروب الأهلية في بعض الدول يمثلان، الاستراتيجية الأكثر فاعلية في مواجهة التدخلات الإقليمية غير الحميدة التي وجدت لأنفسها مكانا في وسط الفوضى وبسببها.

تاسعا: إن المشهد العربي، ليس كله خرابا وإحباطا. ثمة دلائل وإشارات، هنا وهناك، على توفر الإرادة لدى الكثير من القيادات والنخب والشعوب على الخروج من “المأزق الحضاري” الذي نعيشه، ونكابد تبعاته المرة.

عاشرا: إن الباعث على تنسيق المواقف العربية، وإعادة ترتيب البيت العربي من الداخل لم يعد مجرد رؤى آيديولوجية أو أفكار سياسية نظرية، وإنما حقائق تفرض نفسها على الأرض، وتحديات مطروحة على أجندة العمل العربي.

إن العروبة اليوم ليست شعارا عاطفيا بل ضرورة سياسية واستراتيجية. إنها الفكرة الوحيدة التي يمكن أن تجمع شمل كافة المدافعين عن الدولة الوطنية في مواجهة جماعات الإرهاب، ومروجي الخراب، وأنصار الطائفية وأصحاب الدعاوى الانفصالية. العروبة، في صيغتها الحديثة المنفتحة التي تقبل بالتعددية من دون استعلاء أو إقصاء، هي السبيل لإعادة لملمة ما تبعثر، واستعادة ما فقد. ويظل حكم القانون وتعزيز تكافؤ الفرص واحترام الهويات المختلفة في إطار الدولة الوطنية الحديثة – دولة كل مواطنيها – حصونا تحمي هذه الدولة ذاتها من أسباب التفسخ، ومخاطر التفكك والفوضى.


لائحة المراجع المعتمدة

  • محمد دده، دور تكامل الأقطار العربية في استقرار النظام السياسي العربي، أطروحة دكتوراة، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، 2014..
  • علي الدين هلال وجميل مطر، النظام الاقليمي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الثالثة 1993.
  • أحمد يوسف أحمد وآخرون، النظام الدولي والنظام العربي، بحث أنماط الارتباط، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة.
  • عبد الفتاح ماضي، “مصير النظام الإقليمي العربي”، موقع الجزيرة.نت، تاريخ النشر 26/07/2015. تاريخ آخر زيارة، 02/01/2016 على الساعة 17 مساء.
  • جلبير الأشقر، “لا أحد يستطيع أن يتحكم في الحراك الشعبي”، مجلة التحرر، العدد 1، شتاء 2014.
  • طارق بن تابت وأحمد بابا، “وحدة الحراك العربي الراهن (2010-2014)”، مجلة البحثية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 3، ربيع 2015.
  • هشام غصيب، “تأملات في الثورة العربية”، مجلة التحرر، العدد 1، شتاء 2014.
  • أحمد إبراهيم محمود وآخرون، حال الأمة العربية 2010-2011 رياح التغيير، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2011، بيروت.
  • عبد الإله بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، منتدى المعارف، الطبعة الأولى 2012، بيروت.
  • مارك لينش وآخرون، الثورة في العالم العربي، تونس ومصر ونهاية عصر، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2013.
  • نغم نذيرشكر، “التحولات الراهنة في النظام العربي المعاصر”، مجلة الدراسات الدولية، العدد 48، نيسان 2011.
  • مجدي صبحي، “التوجهات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الثورات”، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، أبريل2011.
  • حيدر إبراهيم علي، “الأمنوقراطية والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية”، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، أبريل 2011.
  • جهاد الخازن وآخرون، إلى أين يذهب العرب؟ مؤسسة الفكر العربي، لبنان، الطبعة الأولى 2012.
  • محمد عبد السلام، “حرب الحوثيين… فرص الحسم العسكري”، مجلة السياسة الدولية، العدد 179، يناير 2010.
  • مسلم عمران، “تحولات النظام الإقليمي العربي”، موقع الخليج أونلاين، net/ تاريخ آخر زيارة: 02/05/2016 على الساعة السابعة مساء.
  • وحيد عبد المجيد، “الشرق الأوسط بين التفكك والتفتت”، السياسة الدولية، العدد 198- أكتوبر
  • يوسف محمد الصواني، “التحديات الأمنية للربيع العربي”، مجلة المستقبل العربي، العدد 416.
  • علي الدين هلال، “سؤال البقاء.. النظام الإقليمي العربي في مواجهة مخاطر الانقسام والطائفية”، مجلة السياسة الدولية، عدد 198 أكتوبر 2014.
  • أحمد أبو الغيظ، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عشر ملاحظات على هامش الأزمات العربية، جريدة الشرق الأوسط الالكترونية، الثلاثاء 21 جمادى الأولى 1439 هـ- 06 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14315] (بتصرف)

الهوامش:

(=) تم تحكيم هذا المقال من طرف اللجنة العلمية لمركز مغرب القانون للدراسات والأبحاث القانونية.

[1]  عبد الرحمان خليفة، أديولوجية الصراع السياسي، دراسة في نظرية القوة، دار المعرفة الجامعية، 1999، دون ذكر الطبعة، ص 164.

[2]  أحمد علي سالم، “القوة والثقافة وعالم ما بعد الحرب الباردة: هل باتت المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية شيء من الماضي؟ ” المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 20، خريف 2008، ص 122-123.

[3]  محمد دده، دور تكامل الأقطار العربية في استقرار النظام السياسي العربي، أطروحة دكتوراة، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والاجتماعية سلا، 2014، ص 6.

[4]  علي الدين هلال و جميل مطر، النظام الاقليمي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الثالثة 1993، ص 62.

[5]  أحمد يوسف أحمد وآخرون، النظام الدولي والنظام العربي، بحث أنماط الإرتباط، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، ص34- 35.

[6]  عبد الفتاح ماضي، “مصير النظام الإقليمي العربي”، موقع الجزيرة.نت ، تاريخ النشر 26/07/2015. تاريخ آخر زيارة، 02/01/2016 على الساعة 17 مساء.

[7]جلبير الأشقر، “لا أحد يستطيع أن يتحكم في الحراك الشعبي”، مجلة التحرر، العدد 1، شتاء 2014، ص 95.

[8] طارق بن تابت وأحمد بابا، “وحدة الحراك العربي الراهن (2010-2014)”، مجلة البحثية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 3، ربيع 2015، ص 211.

[9] هشام غصيب، “تأملات في الثورة العربية”، مجلة التحرر، العدد 1، شتاء 2014، ص 92.

[10]أحمد إبراهيم محمود وآخرون، حال الأمة العربية 2010-2011 رياح التغيير، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2011، بيروت، ص 135.

[11] عبد الإله بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، منتدى المعارف، الطبعة الأولى 2012، بيروت، ص 110.

[12]مارك لينش وآخرون، الثورة في العالم العربي، تونس ومصر ونهاية عصر، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2013، ص 10.

[13]نغم نذيرشكر، “التحولات الراهنة في النظام العربي المعاصر”، مجلة الدراسات الدولية، العدد 48، نيسان 2011، ص 4.

[14]مجدي صبحي، “التوجهات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الثورات”، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، أبريل2011، ص 19-20.

[15]حيدر إبراهيم علي، “الأمنوقراطية والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية”، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، أبريل 2011، ص51.

[16] جهاد الخازن وآخرون، إلى أين يذهب العرب؟ مؤسسة الفكر العربي، الطبعة الأولى 2012، لبنان، ص 392.

[17] نغم نذير شكر، مرجع سابق، ص 14.

[18] محمد عبد السلام، “حرب الحوثيين… فرص الحسم العسكري”، مجلة السياسة الدولية، العدد 179، يناير 2010، ص 112.

[19]  مسلم عمران، “تحولات النظام الإقليمي العربي”، موقع الخليج أونلاين، alkhaleejonline.net/ تاريخ آخر زيارة: 02/05/2016 على الساعة السابعة مساء.

[20]  وحيد عبد المجيد، “الشرق الأوسط بين التفكك والتفتت”، السياسة الدولية، العدد 198- أكتوبر2014، ص 5.

[21]  يوسف محمد الصواني، “التحديات الأمنية للربيع العربي”، مجلة المستقبل العربي، العدد 416، ص 22

[22]  علي الدين هلال، “سؤال البقاء.. النظام الإقليمي العربي في مواجهة مخاطر الانقسام والطائفية”، مجلة السياسة الدولية، عدد 198 أكتوبر 2014، ص 45.

[23] أحمد أبو الغيظ، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عشر ملاحظات على هامش الأزمات العربية، جريدة الشرق الأوسط الالكترونية، الثلاثاء 21 جمادى الأولى 1439 هـ- 06 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14315] (بتصرف)

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)