حقوق الارتفاق و التحملات العقارية : دراسة في أحكام الفقه الإسلامي و مدونة الحقوق العينية

4 فبراير 2019 - 12:30 م فضاء المكتبة , عروض الماستر , في الواجهة
  • حجم الخط A+A-

مقدمة(*):

حق الملكية هو أوسع الحقوق العينية نطاقا، بل هو أصل الحقوق العينية وعنه تتفرع جميع الحقوق العينية الأخرى. فمن له حق ملكية شيء، عقارا كان أو منقولا، كان له الحق في استعماله واستغلاله والتصرف فيه، وبذلك يستجمع جميع السلطات التي يمكن أن يعطيها القانون للشخص على الشيء.

ويتميز حق الملكية بأنه حق جامع ومانع ودائم. وكان قديما يتميز بأنه حق مطلق « absolu »، غير أنه الآن أصبح مقيدا، وقد وضع له القانون قيودا تبعا لما تقتضيه المصلحة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

ذلك أن أغلب التشريعات الحديثة لم تعد تخلع على حق الملكية الصفة المطلقة بل عدلت عنها لصالح فكرة أصبحت تمثل النزعة الحديثة في تطور حق الملكية، فلم تعد الملكية حقا مطلقا بل هي وظيفة اجتماعية يُطلب إلى صاحبها القيام بها.

وقد نسج المشرع المغربي على منوال التشريعات المقارنة، فنص هو الآخر على الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية. فقد نص الفصل 35 (الفقرتان الأولى والثانية) من الدستور[1] على أنه M

“يضمن القانون حق الملكية.

ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد “.

و قد سار القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية[2] على نهج الدستور، فجاءت نصوصه تؤكد على معنى الوظيفة الاجتماعية للملكية. ولأدل معنى على ذلك هو موضوع الارتفاقات والتحملات العقارية. فقد عنى المشرع بالموضوع وخصص له المواد 37 إلى 78 من المدونة.

غير أن مدونة الحقوق العينية ليست هي وحدها من استأثرت بتنظيم الارتفاقات والتحملات العقارية، فإن الفقه الإسلامي، وبخاصة الفقه المالكي، له قسط وفير من هذا التنظيم. فقد وضع هذا الفقه قواعد نراها اليوم قد أخذت مكان بارزا في مدونة الحقوق العينية، لاسيما تلك المتعلقة بالموضوع الذي نحن بصدده وهو الارتفاقات والتحملات العقارية.

هذا والموضوع الذي نعمد إليه هو من أهم الموضوعات الحديثة، نحاول أن نعالجه على ضوء الفقه الإسلامي ومدونة الحقوق العينية، فهو يعكس لنا مدى التطور الذي وقفت عنده الملكية باعتبارها تؤدي وظيفة اجتماعية.

ويطرح موضوع الارتفاقات والتحملات العقارية عدة إشكالات، غير أننا سنقتصر على الإشكاليات التي لها صلة بالفقه الإسلامي، وبذلك يمكن طرح الإشكالية الآتية : إلى أي حد استطاعت مدونة الحقوق العينية أن تأخذ بمبادئ الفقه الإسلامي لمعالجة موضوع الارتفاقات والحقوق العينية؟

وتقتضي الإجابة على الإشكالية السابقة، تقسيم الموضوع إلى مبحثين : نتناول في المبحث الأول أحكام الارتفاقات العقارية ثم سنتكلم في المبحث الثاني : أحكام التحملات العقارية، وستكون دراستنا في كلا المبحثين على ضوء الفقه الإسلامي ومدونة الحقوق العينية.

وعلى ذلك سيكون تقسيم موضوعنا على الشكل الآتي:

  • المبحث الأول : أحكام الارتفاقات العقارية في الفقه الإسلامي ومدونة الحقوق العينية
  • المبحث الثاني : أحكام التحملات العقارية في الفقه الإسلامي ومدونة الحقوق العينة

المبحث الأول : أحكام الارتفاقات العقارية في الفقه الإسلامي ومدونة الحقوق العينية

تعتبر حقوق الارتفاق من الحقوق العينية الأصلية، ويقصد بها الحقوق التي تقوم بذاتها ولا تحتاج في قيامها إلى الارتكاز على حق آخر. وقد نظمت مدونة الحقوق العينية حق الارتفاق في المواد من 37 إلى 69، فأفردت له تعريفا وميزته بخصائص وبينت طرق إنشائه وتناولت أنواعه بتفصيل، ثم رتبت عليه آثارا، وختمت ببيان طرق انقضاءه.

هذا وقد اهتم كذلك الفقه الإسلامي هو الآخر بتنظيم حق الارتفاق، وأعطى له مكانة مهمة، لاسيما الفقه المالكي.

وبناء على ذلك سنتناول في المطلب الأول الإطار العام لحقوق الارتفاق، ببيان تعريفه وخصائصه وطرق إنشائه وأنواعه. على أن نتطرق في المطلب الثاني لآثار حقوق الارتفاق وبيان طرق انقضائها.

المطلب الأول: الإطار العام لحقوق الارتفاق

يتميز حق الارتفاق بوحدة مفهومه واختلاف أنواعه، فبالرغم من تعدد أنواع حقوق الارتفاق، فإن ذلك لم يمنع من خضوعها لمفهوم واحد، وتمييزها بخصائص مشتركة.

ومن خلال ما سبق فإننا سنعمل على تحديد تعريف الارتفاق وخصائصه إضافة إلى مصادره في الفقرة الأولى، على أن نتناول بعد ذلك أنواع حقوق الارتفاق في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: تعريف حقوق الارتفاق وخصائصها

سنتطرق في هذه الفقرة لتعريف حقوق الارتفاق وخصائصها (أولا) وبعد ذلك لمصادر حقوق الارتفاق (ثانيا).

أولا: تعريف حق الارتفاق وخصائصه

جاء في لسان العرب في مادة الرفق: الرفق بكسر الراء ضد العنف، ورفق بالأمر وهو به رفيق: لطيف.والمرفق: المتكأ والمخدة، وقد ترفق عليه وارتفق توكأ، وقد تمرفق إذا أخذ مرفقه وبات فلان مرتفقا أي متكئا على مرفق يده. وترافق القوم وارتفقوا صاروا رفقاء[3]. وقد جاء في قوله تعالى {ويهيء لكم من أمركم مرفقا}[4]  أي ييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغمِّ والكرب خوفا منكم على أنفسكم ودينكم مرفقا[5].

وبخصوص الاصطلاح الشرعي فإن الفقه الإسلامي لم يخصص لحقوق الارتفاق بابا مستقلا، وإنما تطرق له في مواضع متعددة من أبواب الفقه، ومن ثم فإنه لم يقف على تعريف جامع مانع لحق الارتفاق، فالمالكية مثلا يطلقون عليه اسم الإرفاق، وهو إعطاء منافع تتعلق بالعقار[6] وفي ذلك أورد الإمام أبو بكر محمد بن عاصم ما يلي:

إرفاق جار حسن للجــار       بمسقى أو طريق أو جدار

والحد من ذلك إن حد اقتفى      وعد في إطلاقه كالسلف[7]

وقد وردت عدة أحاديث نبوية اعتمد عليها الفقهاء لتقرير هذا الحق كقوله صلى الله عليه وسلم “لا ضرر ولا ضرار”[8]، وما يمكن قوله هو أن حقوق الارتفاق ورد ذكرها في كتب الفقه الإسلامي باختلاف مذاهبه وهو ما يعكس أهميتها الكبيرة.

أما من الناحية القانونية فقد عرفت المادة 37 من مدونة الحقوق العينية حق الارتفاق بأنه “حق عيني قوامه تحمل مقرر على عقار من أجل استعمال أو منفعة عقار يملكه شخص آخر”.

ومن التعريف السابق يتبين أن حق الارتفاق هو حق مقرر لخدمة عقار يسمى العقار المخدوم على آخر غير مملوك للمالك الأول ويسمى العقار الخادم، ويقيد من سلطة صاحب العقار الخادم لمصلحة صاحب العقار المخدوم[9]

وتتميز حقوق الارتفاق بالخصائص التالية:

  • حقوق الارتفاق من الحقوق العينية العقارية لأنها لا تترتب إلا على العقارات[10].
  • هي من الحقوق المؤبدة لأنها قائمة بين عنصرين لهما صفة الديمومة:العقار المرتفق والعقار المرتفق به على أن هذا لا يمنع من تحديد حق الارتفاق بأجل معين أو من أجل تعليقه على شرط مسقط[11]
  • حق الارتفاق ليس حقا قائما بذاته بل هو حق تابع للعقار المرتفق فهو من ملحقاته الايجابية، ولا ينفصل عن هذا العقار فيما يجري على العقار من تصرفات، فإذا بيع العقار المرتفق أو وهب أو رهن أوجرى عليه أي تصرف آخر ، فإن التصرف يشمل العقار وحق الارتفاق معا[12].
  • حق الارتفاق غير قابل للتجزئة إذ يقرر لمنفعة كل جزء من أجزاء العقار المرتفق ويترتب على كل جزء من أجزاء العقار المرتفق به.

ثانيا: مصادر حق الارتفاق

نص المشرع المغربي على الطرق التي تنشأ بها حقوق الارتفاق وذلك في المادة 38 من مدونة الحقوق العينية، وقد حددها فيما يلي:

أ-الارتفاقات الطبيعية :

أوردت المادة 39 من م ح ع تعريفا للارتفاقات الطبيعية يجري على الوجه الآتي: “الارتفاقات الطبيعية تحمل تفرضه الوضعية الطبيعية للأماكن على عقار لفائدة عقار مجاور”. ويعتبر بمثابة ارتفاقات طبيعية :

  • سيل المياه الطبيعية من الأراضي المنخفضة( المادة 60 من مدونة الحقوق العينية).
  • حق المالك في استعمال مياه المطر التي تنزل في أرضه والتصرف فيها (المادة 61 من مدونة الحقوق العينية)

ب-الارتفاقات القانونية :

تنص المادة 40 من مدونة الحقوق العينية على أن “الارتفاق القانوني هو تحمل يفرضه القانون على عقار.

ويمكن أن يقرر لمنفعة عامة أو خاصة”.

ويتبين من هذا النص أن الارتفاقات القانونية يمكن أن ترد على العقار إما لحماية المصلحة العامة وإما لحماية المصلحة الخاصة.

ومن الارتفاقات المقررة للمصلحة العامة نذكر منها :

– الارتفاق المفروض لمصلحة الخطوط البرقية والهاتفية: تخضع الأملاك الخاصة إلى ارتفاقات المرور ووضع الأعمدة والدعائم في سبيل إنشاء الخطوط البرقية والهاتفية(الفصل 3 من ظهير 7 شعبان 1332 الموافق فاتح يوليوز 1914 بشأن الأملاك العامة).

-الارتفاقات المقررة لمصلحة المواقع الحربية والمنشآت العسكرية: جاء في مضمون الفصل 2 من ظهير 25 ربيع الثاني 1353 (7 غشت 1934) بشأن الحرمات العسكرية أنه يمتنع على أصحاب العقارات المجاورة لهذه المواقع والمنشات وحتى مسافة أفقية قدرها 250 متر القيام بأي بناء أو غرس على هذا الجزء من عقارهم.

أما الارتفاقات القانونية المقررة للمصلحة الخاصة فهي حق الشرب وحق المجرى وحق المسيل أو الصرف وحق المرور وحق المطل. وسنتعرض لهذه الأنواع من الارتفاقات بالتفصيل في الفقرة الثانية.

ج- الارتفاقات الاتفاقية :

تنص المادة 41 من مدونة الحقوق العينية على أنه “يجوز لملاك العقارات إحداث ارتفاقات عليها أو لفائدتها وذلك باتفاق فيما بينهم مع مراعاة أحكام القانون.

يجب أن يبين في العقد نطاق هذا الحق وكيفية استعماله”.

ومن أمثلة الارتفاقات الاتفاقية أن يلتزم مالك العقار بأن لا يعلي بنائه أو غرسه لكي لا يمنع الهواء والشمس عن عقار جاره، أو أن يسمح  شخص لمالك عقار بأن يفتح نوافذه على عقاره المجاور.

الفقرة الثانية: أنواع حقوق الارتفاق.

أورد المشرع المغربي خمسة أنواع من حقوق الارتفاق وهي كالآتي:

أولا: حق الشرب

حسب المادة 50 من م ح ع فإن “حق الشرب هو نوبة من الماء ينتفع بها لسقي الأراضي وما بها من غرس وشجر”. وقد تولت المواد من 52 إلى 55 وضع أحكام لهذا الحق. أما الفقه الإسلامي فقد صنف هذا الحق إلى صنفين :

– حق الشرب وهو النصيب المستحق من الماء لسقي الزرع والشجر أو نوبة الانتفاع بالماء لمدة معينة لسقي الأرض.

– حق الشفة: وهو ما يخص الإنسان والحيوان من الماء لشربه ويراد به تحقيق حاجة الإنسان إلى الماء لشربه وشرب دوابه[13]

ثانيا: حق المجرى

جاء في المادة 56 من م ح ع أن: “حق المجرى هو الحق في تمرير ماء الري من مورده بأرض الغير للوصول به إلى الأرض المراد سقيها به وذلك عبر مجرى أو مواسير” وقد وضع المشرع أحكاما خاصة بهذا الحق في المواد من 57 إلى 59 من م ح ع.

وقد عرفه علي الخفيف بأنه حق إجراء الماء المستحق شربا وإمراره في أرض إلى أخرى لسقيها، وقد يكون هذا الحق مقررا على مجرى في أرض لشخص، لكي يمر الماء منه إلى أرض لشخص آخر، كما قد يكون المجرى في بعض الأحوال مملوك الرقبة لغير صاحب الأرض التي يمر فيها وقد يكون لواحد أو لأكثر[14].

ويمكن القول أن المبدأ العام لهذا الحق في الشرع هو أنه ليس لصاحب الأرض منع جاره من إمرار الماء في أرضه وفي هذا نذكر قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه “والله ليمرن به، ولو على بطنك” وليس لصاحب الأرض أيضا أن ينقل المجرى من مكانه إلا برضا أصحاب الحق فيه، ولهم الحق في ترميمه ومنع تسرب الماء منه، وتعميقه وتقوية جانبيه

ثالثا: حق المسيل أو الصرف

يعرف هذا الحق بأنه حق تصريف الماء الزائد عن الحاجة، أو غير الصالح إلى المصارف والمجاري العامة، بواسطة مجرى سطحي أو أنبوب مستور، سواء من أرض أو دار أو مصنع[15]، ويمكن القول أن الفرق بين حق المسيل وحق المجرى يكمن في أن هذا الأخير يستعمل في جلب الماء الصالح للأرض، أما حق المسيل فيستعمل لتصريف الماء غير الصالح عن الأرض أو الدار ونحوها.

وقد نظم المشرع هذا الحق في المواد 60 إلى 63 من م ح ع، ففي المادة 61 نجده يقر حق المالك في استعمال مياه المطر التي تنزل في أرضه والتصرف فيها، وإذا كان استعمال تلك المياه يزيد عبء الارتفاق الطبيعي سيل المياه فإن لصاحب الأرض المنخفضة الحق في التعويض.

ويحق لكل مالك أرض إذا أراد إحداث أبنية عليها أن يقيم سطوحها وشرفاتها بشكل يسمح لمسيل مياه الأمطار لتحولها على أرضه لا على أرض جاره (المادة 62)، ويحق كذلك لكل مالك أرض يريد تصريف المياه الزائدة عن صاحبه أن يجعل لها ممرا بعقار الغير نظير تعويض مناسب يدفع مقدما، ولا يسبب للعقار المرتفق به إلا أقل ضرر (المادة 63)

رابعا: حق المرور

يمكن تعريف هذا الحق بأنه حق الإنسان في أن يصل إلى ملكه، دارا أو أرضا بطريق يمر فيه، سواء أكان من طريق عام، أم من طريق خاص مملوك له أو لغيره أو لهما معا[16].

وقد نظم المشرع هذا الحق في المادتين 64 و 65 من م ح ع فقد جاء في المادة 64 أنه “لكل مالك عقار ليس له منفذ إلى الطريق العمومي أو له منفذ غير كاف لاستغلال عقاره أن يحصل على ممر في أرض جاره نظير تعويض مناسب شرط أن يقام هذا الممر في المكان الذي لا يسبب للأرض المرتفق بها إلا أقل ضرر”. وتماشيا مع مقتضيات هذه المادة جاء في قرار لمحكمة النقض ما يلي “لما ثبت للمحكمة أن موضوع الدعوى يتعلق بمسرب بعرض متر ونصف صالح لمرور الدواب والسكان وأن الطالب قام بغلقه عن طريق زرع نبات الصبار، فقضت بإعادة فتحه، يكون قرارها مطابقا للقانون ومرتكزا على أساس “[17].

وجاء كذلك في قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط أن “المرور بوصفه حقا للإرتفاق يقرر لفائدة المالك الذي تكون أملاكه محاطة من جميع الجوانب وليس لها مخرج إلى الطريق العمومية. يمكن للمالك أن يطلب ممرا في أملاك جيرانه شرط أداء تعويض”[18].

ومن خلال التمعن في المادة 64 يتبين لنا أنه لا يمكن الحصول على الممر إلا إذا توافرت الشروط التالية:

  • يجب ألا يكون للعقار منفذ إلى الطريق العام أو على الأقل أن لا يكون له منفذ كاف لاستثماره زراعيا أو صناعيا.
  • يجب أن يكون انحصار العقار ناجما عن سبب خارج عن إرادة المالك
  • يجب أن يطلب الممر من قبل مالك العقار المحاط من جميع جهاته أو من قبل صاحب حق عيني على هذا العقار كالمنتفع أو صاحب حق السطحية.[19]
  • يجب أن يدفع طالب الممر تعويضا لصاحب العقار المرتفق به وهذا التعويض تقدره المحكمة استنادا للضرر اللاحق بالعقار المرتفق به.

خامسا: حق المطل

حق المطل من حقوق الارتفاق التي أشار إليها المشرع في المادة 66 بقوله “لا يجوز لمالك عقار أن يفتح في حائط ملاصق لملك جاره نوافذ أو شبابيك أو أي فتحات مماثلة إلا برضى صاحب الملك المجاور” وعليه كل من ملك عقارا لا يسمح له بفتح مطلات أو نوافذ كيفما كانت في حائط ملاصق لجاره إلا بإذنه وذلك لما قد يلحقه فتح تلك المطلات من ضرر على الجار الملاصق وفي هذا الصدد جاء في أحد قرارات محكمة النقض[20] أنه “تشكل النوافذ المفتوحة على عقار محفظ ضررا وتعديا محققا على حق الهواء المملوك لصاحبه. ولا تعتبر من قبيل الارتفاقات القانونية التي تهدف لتحقيق المصلحة العامة أو لمصلحة عقار معين…”

وحسب المادة 67 فإنه يحق للمالك أن يبني في حدود أرضه دون مراعاة النوافذ والشبابيك المفتوحة على ملكه إلا إذا كانت هناك اتفاقات مخالفة وتأكيدا لهذه المسألة فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) أنه “يعتبر ما شيده المالك في حدود ملكه من أبنية تطل على جاره بمقتضى ترخيص ممنوح في إطار تصميم تهيئة نافذ وقتئذ حقا مكتسبا لا يمكن الإضرار به لمجرد صدور قرار آخر يغير التصميم السابق”[21].

المطلب الثاني : آثار حقوق الارتفاق وأسباب انقضائه

نظرا إلى أن مصالح مالك العقار المرتفق به تتعارض مع مصالح مالك العقار المرتفق، فإن الأمر تطلب وضع قواعد تشريعية سواء على مستوى الفقه الإسلامي أو القانون الوضعي للتوفيق بين المصالح المتعارضة لهذين المالكين وذلك بوضع إطار لحقوق والتزامات كل من منهما، كما أن حق الارتفاق قد ينتهي فيتحرر بذلك العقار المرتفق به من الخدمة التي كان مكلفا بها لمصلحة العقار المخدوم.

مقال قد يهمك :   خالد برجاوي : تطور قواعد النسب في القانون المغربي

وسنتطرق في هذا المطلب لاهم الاثار المترتبة عن حق الارتفاق تجاه كل من مالك العقار المرتفق ومالك العقار المرتفق به (الفقرة الاولى) ، وانقضاء هذا الحق في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : حقوق والتزامات مالك العقار المرتفق ومالك العقار المرتفق به

تنص المادة 42 من مدونة الحقوق العينية على ما يلي: “يخضع حق الارتفاق للقواعد المبنية في العقد أو في القانون، ويخضع في حالة عدم وجود نص في القانون أو شرط في العقد للأعراف المحلية المعمول بها”.

وفيما يلي سوف نعرض لمجمل الاثار المترتبة عن حق الارتفاق وذلك من خلال الحديث اولا عن اثار الارتفاق بالنسبة لمالك العقار المرتفق، على ان نتعرض ثانيا لاثار حق الارتفاق بالنسبة لمالك العقار المرتفق به.

أولا : حقوق والتزامات مالك العقار المرتفق.

لصاحب العقار المرتفق أن يجري ما هو ضروري من الأعمال لاستعمال حق الارتفاق، وما يلزم للحفاظ عليه . وهذا ما أكدته المادة 44 من م.ح.ع حيث جاء فيها: “يحق لصاحب حق الارتفاق أن يقوم بجميع الأعمال الضرورية لاستعمال حقه وصيانته شرط أن يستعمله بالقدر الذي لا يلحق بالعقار المرتفق به إلا أقل ضرر”، وذلك مثل ترصيف الطريق التي يمر منها، وبناء الساقية التي يجري فيها الماء لأرضه، وسد الثغرات التي تحدث فيها[22]، ويهدف المشرع من هذا المقفتضى تدعيم فعالية حق الارتفاق، بإعطاء مالك العقار المرتفق الوسائل اللازمة لاستعمال حقه. كما قد يكون حق الارتفاق في أحيان كثيرة في حاجة منذ نشوئه إلى توابعه حتى تترتب فعلا الفائدة المرجوة منه[23] وهو ما أكدته المادة 43 من م.ح.ع التي جاء فيها: “إذا تقرر حق الارتفاق لفائدة عقار معين فإنه يخول صاحبه كل ما هو لازم لاستعمال هذا الحق”. ويسميه الفقهاء “حق ارتفاق تبعي” ويشترط في هذا الأخير أن يكون ضروريا للانتفاع بالارتفاق الأصلي: فحق المرور إذا ما منح تبعا لحق الاستقاء من عين، فذلك لأن صاحب حق الاستقاء لا يمكنه ممارسة حقه إلا إذا أتيح له الوصول إلى العين[24].

وفي حالة ما إذا جزئت الأرض المرتفقة فيبقى حق الارتفاق لكل جزء من أجزائها، شرط ألا يزيد العبء من جراء ذلك على الأرض المرتفق بها (المادة 48 من م.ح.ع) فهكذا مثلا في حالة قيام ارتفاق بحق المرور إذا جرى تقسيم العقار المرتفق ما بين عدة أشخاص يبقى حق المرور مقرر لمصلحة كل قسم من هذه الأقسام إنما لا يمكن إحداث ممر مستقل لكل قسم بل يترتب على أصحاب الأقسام أن يستعملوا جميعا ذات الممر[25].

ومالك العقار المرتفق، في استعماله لحق الارتفاق، يجب عليه من جهة ألا يتجاوز حدود هذا الحق بحيث ينحصر استعمال حق الارتفاق في مصلحة العقار المقرر له حق الارتفاق، وبذلك لا يجوز استعماله لمنفعة عقارات أخرى، فإسالة المياه لري أرض معينة لا يجوز استعماله لري أرض غيرها[26]. وبعبارة أخرى فإن من له الحق في الارتفاق لا يستطيع أن يستعمله إلا وفقا للسبب الذي أنشأ هذا الحق، فلا يجوز له أن يغير من نوع الارتفاق كأن يكون له حق المرور فيستعمل الطريق لوضع أنابيب توصل المياه إلى منزله، ولا يجوز له أن يغير الموضع الذي يستعمل فيه حق الارتفاق دون موافقة مالك العقار المرتفق به[27].

ومن جهة ثانية لا يمكنه أن يقوم بما يؤدي إلى إثقال كاهل العقار المخدوم، كأن يوسع الممر المخصص لمرور الأشخاص ليستعمله لمرور الحافلات[28]، وبالتالي فإن استعمال حق الارتفاق على وجه يضر بالعقار المرتفق به ضررا كان يمكن تجنبه لو أنه استعمله على وجه آخر يعود عليه بالفائدة المستحقة، تحققت مسؤوليته، ويترك ذلك لتقدير قاضي الموضوع[29].

ثانيا: حقوق والتزامات مالك العقار المرتفق به.

إن مالك العقار المرتفق به يتمتع بجميع الحقوق التي خولها له حق الملكية من انتفاع واستغلال وتصرف. إلا أن حقوقه هذه تصبح – بمقتضى الارتفاق – مقيدة بعدم استعمالها فيما من شأنه أن يمنع صاحب العقار المرتفق من استعمال ارتفاقه فيما أعد له أو أن يقوم بما من شأنه أن يضر به، كأن يضيق عليه الطريق التي يمر منها، أو يحدد له وقتا معينا للمرور[30] وهذا ما نصت عليه المادة 47 من م.ح.ع في فقرتها الأولى بقولها: “إن صاحب الحق المرتفق به لا يمكنه القيام بأي عمل يرمي إلى الانتقاص من استعمال حق الارتفاق أو جعله أكثر مشقة، ويلتزم على وجه الخصوص بعدم تغيير حالة الأماكن أو نقل استعمال الارتفاق إلى محل آخر غير المكان الذي وضع فيه أول مرة…”. هذا وقد منعت الشريعة الإسلامية أيضا الجار من سد ضياء جاره بالكلية، كما منعته من إحداث نوافذ تطل على الأماكن المخصصة بطبيعتها لأن تكون مقرا للنساء،[31] كما لا يجوز له رمي النفايات في القناة المخصصة لمجرى الماء، ولا يحق له أن يستعمل هذه القناة إذا كان هذا الاستعمال من شانه ان  يؤثر على صاحب الحق في استعمال حقه[32] وهذا ما يستشف من نص المادة 20 من م.ح.ع[33].

نعم إذا تبين أن بقاء الارتفاق في مكانه القديم أصبح يشكل اعباء أكثر بالنسبة لمالك العقار المرتفق به، أو أصبح يكلفه مشقة أكبر، أو يحدث به ضررا فادحا اكثرمما كان يحمله إياه، كما لو أن مالك العقار المتحمل بارتفاق بالمسيل لصالح عقار آخر أراد أن يبني في عقاره، وتبين أن بقاء الساقية في مكانها يمنعه من ذلك البناء أو يحمله مصاريف زائدة، في حين أن نقلها إلى مكان آخر من ذلك العقار يزيل هذه المشاق ولا يضر بصاحب العقار المرتفق، فيحق لهذا المالك أن يحول الساقية عن مكانها بعد أن يستأذن صاحب العقار المخدوم الذي لا يحق به أن يرفض ذلك[34] وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 47 من م.ح.ع على هذا الحكم بقولها “غير أنه إذا صار الوضع الأول أشد كلفة على صاحب الملك المرتفق به أو مانعا له من القيام بإصلاحات نافعة في ملكه أمكنه أن يعرض على صاحب الملك الآخر مكانا بسهولة المكان الأول لاستعمال حقوقه ولا يمكن لهذا الأخير أن يرفض ذلك…”.

ومن الحقوق المخولة لصاحب العقار المرتفق في مقابل هذه الالتزامات حقه في التعويض الممنوح له بنص القانون أو بمقتضى الاتفاق.

فبخصوص الارتفاقات الطبيعية لا يترتب عنها أي تعويض إلا إذا ألحقت هذه الارتفاقات أضرارا بليغة وجسيمة بالعقار المرتفق به، من ذلك الأعباء والمصاريف المادية التي يتحملها مالك العقار المرتفق به، والتي ينفقها من أجل الحفاظ على عقاره من الهلاك، وذلك تطبيقا لنص المادة 61 من م.ح.ع.

أما فيما يتعلق بالارتفاقات القانونية وخاصة تلك المقررة للمنفعة الخاصة فيستحق التعويض عنها، بحيث يتوقف الحصول على ارتفاق المرور مثلا دفع تعويض لمالك العقار المرتفق به، ويتم تحديد قيمة هذا التعويض بالتراضي بين مالك العقار المرتفق بالمرور ومالك العقار المرتفق به، غير أنه إذا لم يتم الاتفاق على قيمة التعويض فيحق للطرف المتضرر اللجوء إلى القضاء للحصول على تعويض عادل كفيل بجبر الضرر الذي لحق عقاره[35].

الفقرة الثانية: أسباب انقضاء حق الارتفاق.

حق الارتفاق مثل غيره من الحقوق العينية كما له أسباب لإنشائه له أيضا أسباب لانقضائه، وقد أشار ابن عاصم إلى ذلك بقوله:

والحد في ذلك إن حد اقتفى       وعد في إطلاقه كالسلف

ومعنى هذا أن حق الارتفاق إذا حدد بأجل معين فلا ينتهي إلا إذا مضى ذلك الأجل، أما إذا أطلق ولم يقيد بمدة معينة فيعتبر كالسلف ويترك المدة اللازمة للانتفاع به حسب العرف والعادة[36].

وقد ورد في المادة 69 من م.ح.ع ما يلي: “ينقضي حق الارتفاق بأحد الأسباب الآتية:

  • بانتهاء الأجل المحدد له.
  • بالتنازل عن حق الارتفاق بمن له الحق فيه.
  • باجتماع العقارين في يد مالك واحد.
  • بصيرورة العقار المرتفق أو العقار المرتفق به في وضعية لا يمكن معها استعمال هذا الحق.
  • بهلاك العقار المرتفق أو العقار المرتفق به هلاكا كليا.”

وفيما يلي نفصل لكل سبب على حدا:

أولا: انتهاء الأجل المحدد

حق الارتفاق وإن كان مبدئيا من الحقوق المؤبدة، إلا أنه يمكن إنشاؤه لزمن معين، فحلول الأجل، يترتب عليه انقضاء الارتفاق عملا بالمبادئ العامة[37] ومن أمثلته أن يتم النص في الوصية التي أنشأت حق الارتفاق على أن يدوم هذا الحق مدة معينة وينتهي بانقضائها.

ثانيا:  التنازل عن حق الارتفاق ممن له الحق فيه

بحيث يجوز لصاحب العقار المرتفق، متى كان أهلا للتصرف، التنازل عن إرتفاق عقاره بعوض أو بغير عوض، فيتحرر العقار المرتفق به . إلا في حالة الشياع   فيلزم صدور التنازل من جميع الشركاء حسب قاعدة “الارتفاق لا يتجزأ”[38]

ثالثا: باجتماع العقارين في يد مالك واحد

إذا اجتمع العقار المرتفق والعقار المرتفق به في يد واحدة انقضى الارتفاق عملا بالمبدأ القائل بأنه لا يجوز أن يكون للمالك حق ارتفاق على ملكه[39].

ولكن ما عسى يكون الحكم لو انفصل العقاران مجددا؟

يجيب المرحوم مأمون الكزبري قائلا: “إذا كان لسبب الانفصال أثر رجعي كبطلان التصرف الذي كان أدى إلى جمع العقارين في يد واحدة عادت الحالة إلى ما كانت عليه وعاد بالتالي حق الارتفاق حكما للعقار المرتفق.

أما إذا حصل الانفصال بسبب ليس له أثر رجعي كان يبيع أو يهب المالك أحد العقارين لشخص آخر، فحق الارتفاق الذي كان انقضى باجتماع العقارين في يد واحدة لا يعود ما لم يتفق على ذلك، ويسجل الارتفاق من جديد، عند الاقتضاء، في رسم الملكية العائد للعقار المرتفق به إذا ما كان هذا العقار محفظا”[40].

رابعا: استحالة استعمال الارتفاق

ينتهي حق الارتفاق إذا أصبح استعماله مستحيلا. وتنجم الاستحالة من تغيير في وضع الأشياء، سواء كان التغيير حادثا في العقار المرتفق به أو في العقار المرتفق[41] كأن يتحول العقار إلى بناية أو مؤسسة عمومية (مدرسة، مستشفى، جامعة…).

خامسا: هلاك أحد العقارين هلاكا كليا

ينقضي حق الارتفاق إذا هلك العقار المرتفق أو المرتفق به، إذ يصبح استعمال الحق غير ممكن، والهلاك قد يكون ماديا، وهذا نادر، كما لو تآكل العقار نتيجة جريان النهر، أو كما لو غمرت المياه الأرض المقرر لها أو عليها حق الارتفاق فينقضي هذا الحق لزوال محله. والنوع الثاني من الهلاك هو الهلاك القانوني، وهو الغالب ،ومن أمثلته نزع ملكية العقار المرتفق به للمنفعة العامة[42]، ويشترط في الهلاك الذي ينقضي به حق الارتفاق أن يكون كليا أما إذا كان هلاك أحد العقارين جزئيا فلا ينقضي حق الارتفاق لأنه يظل ممكنا في الجزء الباقي من العقار.

سادسا: زوال الغرض الذي أحدث من أجله

يجوز التحرر من حق الارتفاق إذا فقدت كل منفعة للعقار المرتفق، أو أصبحت فائدته محدودة لا تتناسب البتة مع العبء الذي يلقيه على العقار المرتفق به[43] ومن أمثلته أن يكون مقررا على العقار حق الارتفاق بالمرور، فيتم رفع ذلك الحق بإنشاء طريق عمومي بجانبه ولم تبق هناك حاجة تدعو إلى حق المرور، فيحق لصاحب العقار المطالبة بإزالة هذا الارتفاق قضاء وبذلك ينقضي هذا الارتفاق[44].

المبحث الثاني: أحكام التحملات العقارية في الفقه الإسلامي ومدونة الحقوق العينية

قدمنا أن حق الملكية ليس حقا مطلقا بل هو حق مقيد بمقتضى القانون والأنظمة. وقد نصت المادة 19 من مدونة الحقوق العينية على أن “لمالك العقار مطلق الحرية في استعمال ملكه واستغلاله والتصرف فيه وذلك في النطاق الذي تسمح به القوانين والأنظمة الجاري بها العمل”. ومن ثم يتبين أن القانون والأنظمة هي التي تحدد نطاق الحرية التي تتسع لها الملكية باعتبارها وظيفة اجتماعية.

وقد جاء القانون المدني المصري صريحا هو الآخر في أن الملكية تخضع لضوابط قانونية. فقد نصت المادة 806 من هذا القانون على ما يلي: “على المالك أن يراعى في استعمال حقه ما تقضى به القوانين والمراسيم واللوائح المتعلقة بالمصلحة العامة أو بالمصلحة الخاصة. وعليه أيضاً مراعاة الأحكام الآتية “[45].

ويرى بعض الفقه عن حق أن القيود التي ترد على حق الملكية إما قيودا ترد على حق الملكية لحماية المصلحة العامة وإما تلك التي ترد على حق الملكية لحماية المصلحة الخاصة، مع ملاحظة أن ما يرد من القيود لحماية المصلحة الخاصة يراد به أن ينتهي إلى حماية المصلحة العامة عن طريق حماية المصلحة الخاصة[46].

والقيود التي ترد على حق الملكية لحماية المصلحة الخاصة ترجع كلها إلى الجوار ما بين الملاك. فهناك قيد عام يلزم الجار بألا يستعمل ملكه بحيث يضر بجاره ضرراً غير مألوف[47].

وتقتضي طبيعة الدراسة تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: نتناول في المطلب الأول مضار الجوار غير المألوفة، على أن يعقب ذلك المطلب الثاني الذي نخصصه لبعض أنواع التحملات العقارية.

المطلب الأول: مضار الجوار غير المألوفة

تنص المادة 21 من مدونة الحقوق العينية على ما يأتي: “لا يسوغ لمالك العقار أن يستعمله استعمالا مضرا بجاره ضررا بليغا، والضرر البليغ يزال”.

وتنص المادة 71 من نفس المدونة على ما يلي: “ليس للجيران أن يطالبوا بإزالة مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها وإنما لهم أن يطالبوا بإزالة المضار التي تتجاوز الحد المألوف على أن يراعى في ذلك العرف وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة للآخر والغرض الذي خصصت له.

لا يحول الترخيص الصادر من السلطات المختصة دون استعمال الحق في المطالبة بإزالة الضرر”[48].

ويتبين من النصين السالفي الذكر أن القانون يفرض التزاما عاما على مالك العقار، وهو ألا يضر بجاره ضررا فاحشا وإلا كان مسؤولا عن ذلك بإزالة المضار التي تفوق الحد المألوف، فضلا عن أداء التعويض إذا كان له مبررا طبقا للقواعد العامة.

وغني عن البيان أن مدونة الحقوق العينية، لم تقض إلا بما استقر عليه الفقه الإسلامي من قواعد في هذا الشأن، إذ أن هذا الأخير هو الآخر يمنع الإضرار بالغير. فقد قيد حق المالك بقيود تحد من هذه الأضرار وتعمل على رفعها[49].

وتتطلب دراسة هذا المطلب تقسيمه إلى فقرتين: نتناول في الفقرة الأولى تحديد حالة مضار الجوار على أن يأتي بعد ذلك الفقرة الثانية التي تتضمن تقدير حالة مضار الجوار غير المألوفة.

الفقرة الأولى: تحديد حالة مضار الجوار غير المألوفة

لقد نظم المشرع حالة مضار الجوار في الفصل 92[50] من قانون الالتزامات والعقود، ولكن هذا النص لم يكن يتسع لنظرية مضار الجوار، ولذلك تدخل المشرع مرة أخرى ليحدد تحديدا دقيقا حالة مضار الجوار، وذلك في مدونة الحقوق العينية التي أفردت لها المادتين 21 و 71 اللتان تقدم الإشارة لهما.

ويتبين من مجموع النصوص المتقدمة، سواء تلك الواردة في قانون الالتزامات والعقود أو تلك الواردة في مدونة الحقوق العينية، أنه يقتضي تمييز حالة مضار الجوار غير المألوفة عن بعض الحالات التي تلتبس بها. فإنه يجب التمييز ما بين الخطأ في استعمال حق الملكية (أولا) والتعسف في استعمال حق الملكية (ثانيا) وحالة مضار الجوار غير المألوفة (ثالثا).

أولا: الخطأ في استعمال حق الملكية         

قد يرتكب مالك العقار خطأ في استعمال حق الملكية يستوجب مسؤوليته ويحدث ذلك بوجه خاص في حالة مخالفة القوانين والأنظمة الجاري بها العمل. أو في حالة الخروج عن حدود استعمال الشخص المعتاد فيرتكب خطأ يحدث ضررا للغير.

فإذا خالف المالك القوانين والأنظمة الجاري بها العمل كفتح محل مقلق للراحة أو مضرا بالصحة دون أن يحصل على رخصة لفتح هذا المحل، أو دون أن يتقيد بالأوامر التي تفرضها القوانين والأنظمة في إدارة هذا المحل، فإنه يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه للغير[51].

مقال قد يهمك :   النماذج السابقة لمباراة القياد (المعهد الملكي للإدارة الترابية)

وقد لا يخالف المالك القوانين والأنظمة، ولكنه يخرج عن حدود الشخص المعتاد في استعمال حق الملكية على النحو المقرر في قواعد المسؤولية التقصيرية كأن يستعمل المكان الذي يسكنه، وهو دار في حي هادئ، مرتعا للحفلات الصاخبة[52]، أو كحالة المالك الذي يتجاوز في البناء بأرضه ويأخذ جزءا من أرض جاره، فهنا تترتب مسؤولية الخارج عن الحق، لأن كل فرد يخرج عن حدود حقه وسبب بذلك ضررا للغير يلزم بالتعويض[53].

ومن ثم يجوز للجيران المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أحدثه مالك العقار، كل ذلك في إطار القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية.

ثانيا: التعسف في استعمال حق الملكية        

لقد أخذت معظم القوانين الحديثة بنظرية إساءة استعمال الحق وأقرتها بصورة خاصة في حقل الملكية العقارية. فقد ورد في الفصل 906 من القانون المدني الألماني أنه “لا يجبر المالك على أن يتحمل في ملكه الغازات والأبخرة والروائح والدخان والهبات والحرارة والضوضاء والاهتزاز ونحوها إلا إذا كان الضرر الناشئ عنها زهيدا أو إذا كانت ناتجة عن استعمال العقار استعمالا عاديا حسب عرف المكان”[54].

ويعد القانون المدني المصري من بين القوانين الحديثة التي وضعت نظرية التعسف في استعمال الحق، فصاغتها صياغة متكاملة. فقد نصت المادة 5 مدني مصري على ما يأتي: “يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية: (أ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير. (ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر يسببها. ( جـ ) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة”.

أما في القانون المغربي، فيبدو أن نظرية التعسف في استعمال الحق بوجه عام، وحق الملكية بوجه خاص، لا تجد مكانها في القواعد العامة في قانون الالتزامات والعقود، وذلك لأن النظرية في صورتها الحديثة لم تكن إبان صدور ظهير 12 غشت 1913 واضحة، باستثناء بعض النصوص التي تشير بصورة خافتة إلى بدء انتعاش النظرية[55].

ذلك أن نظرية التعسف في استعمال الحق ليست بالنظرية المبتدعة، بل عرفها الفقه الإسلامي، وهو الفقه المشبع بروح دينية سامية، فكان ينهى عن التعسف ويأمر بالرفق والإحسان[56].

ثالثا: مضار الجوار غير المألوفة

ويرى هنا الأستاذ عبد الرزاق السنهوري عن حق ما يلي: “… والآن نفرض أن المالك قد أضر بجاره وهو يستعمل حق ملكيته ولكنه في هذا الاستعمال لم يرتكب أي خطأ فلم يخالف القوانين واللوائح (أي الأنظمة)، ولم ينحرف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد ولم يفرض القانون خطأ في جانبه، وبذلك نكون قد ابتعدنا عن الحالة الأولي من الحالتين السابقتين، حالة الخطأ في استعمال حق الملكية. كذلك يثبت أن المالك، وهو يستعمل حق ملكيته، لم يتعسف في استعمال حقه، فلا هو قصد الإضرار بالجار، ولا كان للجار مصلحة ترجح رجحانا كبيراً على مصلحته، ولم يهدف المالك في استعمال حق ملكيته إلى تحقيق غرض غير مشروع. وبذلك نكون قد ابتعدنا أيضاً عن الحالة الثانية من الحالتين السابقتين، حالة التعسف في استعمال حق الملكية…[57]” .

وقد قضى المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) أنه “لا يجوز للجيران المطالبة بإزالة الأضرار الناشئة عن الالتزامات العادية للجوار كالدخان وغيره من المضار التي لا يمكن تجنبها والتي لا تتجاوز الحد المألوف”[58].

ويخلص من ذلك أن حالة مضار الجوار غير المألوفة تختلف اختلافا بينا عن حالتي الخطأ والتعسف في استعمال حق الملكية. فقد لا يخطأ المالك في استعمال حق الملكية وقد لا يتعسف ومع ذلك يضر بجاره. والأصل أن الضرر الذي يكون مألوفا فيما بين الجيران لا يعوض عنه، وإلا فإن المالك يكون مسؤولا إزاء جاره متى ثبت أن الضرر خرج عن المألوف أي أصبح ضررا فاحشا.

وقد عرفت المادة 59 من كتاب مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان الضرر الفاحش هو “ما يكون سببا لوهن البناء أو هدمه أو يمنع الحوائج الأصلية أي المنافع المقصودة من البناء وأما ما يمنع المنافع التي ليست من الحوائج الأصلية فليس بضرر فاحش”[59]

هذا وتجدر الإشارة إلى أن التمييز ما بين الخطأ في استعمال حق الملكية والتعسف في استعمال حق الملكية ومضار الجوار لا يقوم عند الفقه الإسلامي. ذلك أن الشريعة الإسلامية أقرت مبدأ منع المالك من التعسف في استعمال حقه، وهذا المبدأ يقتضي أنه لا يجوز لأي مالك – وعلى الأخص مالك العقار لأن العقار هو الذي يترتب عن ترك الحرية للمالك في استعماله كيفما أراد أضرارا لغيره – أن يستعمل ملكه استعمالا يضر بغيره، ولو لم تتجه نية المالك إلى إحداث ذلك الضرر[60].

ومن ثم يتبين أن الفقه الإسلامي يأخذ بمبدأ عدم التعسف في استعمال الحق ويطبقها تطبيقا مطلقا على حقل الملكية العقارية. وقد جاء في تبصرة الحكام لابن فرحون ما يلي: من أحدث عليه ضرر من اطلاع أو فتح، أو كوة منع من ذلك، وكذلك لو أحدث نصبة يطلع منها على جاره منع[61]

يقول ابن عاصم:

ومحدث ما فيه للجار ضرر        محقق يمنع من غير نظر

كالفرن والباب ومثل الأندر         أو ماله مضرة بالجدر

فمن بنا في داره فرنا أو حماما أو كبر حداد أو صانع، مما يضر دخانه بجاره فيمنع منه[62].

الفقرة الثانية: تقدير حالة مضار الجوار غير المألوف والتعويض عنها.

رأينا أن الضرر غير المألوف هو الضرر الذي يزيد عن مقداره ودون أن يكون هناك خطأ أو تعسف في جانب المالك، غير أن تقدير الضرر غير المألوف تدخل فيه اعتبارات مختلفة. وتنص المادة 71/1 من مدونة الحقوق العينية، كما رأينا، “ليس للجيران أن يطالبوا بإزالة مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها وإنما لهم أن يطالبوا بإزالة المضار التي تتجاوز الحد المألوف على أن يراعى في ذلك العرف وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة للآخر والغرض الذي خصصت له”.

ويتبين من ذلك أن معيار الضرر غير المألوف معيار مرن، وليس بقاعدة جامدة. فيتكيف مع الظروف المختلفة، ويواجه الحاجات المتغايرة، ويستجيب لمقتضيات كل منهما، وهو معيار موضوعي لا معيار ذاتي، فلا اعتبار لحالة الجار الذاتية، كأن يكون الجار مريضاً أو منشغلا بأعمال تقتضي الهدوء التام، فينزعج لأية حركة ولو كانت مألوفة. وإنما العبرة بحالة الشخص المعتاد، وهو شخص من أوساط الناس يزعجه ما يزعج الناس عادة ويتحمل ما جرى العرف بتحمله فيما بين الجيران. فيقاس على هذا الشخص كل جار فيما يعد ضرراً غير مألوف بالنسبة إليه، ولو كان هذا الجار يحتمل أكثر مما يحتمل الشخص المعتاد فيكون له الغنم، أو كان يحتمل أقل مما يحتمل الشخص المعتاد فيكون عليه الغرم[63].

ويخلص من نص المادة السالفة الذكر أن المشرع أدخل في تقدير الضرر مجموعة من الاعتبارات يجب مراعاتها. وقد ذكر ما يأتي:

أولا: العرف: وله تأثير قوى في تقدير الضرر غير المألوف. وهو يختلف من مكان إلى آخر، فما يعتبر ضررا مألوفا في البوادي قد يعتبر ضررا غير مألوف في الحواضر. وما يعتبر كذلك ضررا مألوفا في الأحياء الشعبية قد يعتبر ضررا غير مألوف في الأحياء الراقية، وهكذا.

ثانيا: طبيعة العقارات: ولها هي الأخرى اعتبار في تقدير مضار الجوار، فما قد يعتبر ضررا مألوفا في الأماكن التي تعج بالاكتظاظ والجلبة، كالأسواق والمقاهي، قد يعتبر ضرر غير مألوف في الأماكن الهادئة.

ثالثا: موقع العقار بالنسبة إلى العقار الآخرويميز الفقه الإسلامي بين الجوار الجانبي والجوار الرأسي. والتزام المالك بالتقيد نحو جاره في كل من الجوار الجانبي والجوار الرأسي محل خلاف، فأبو حنيفة لا يرى أن يتقيد المالك في ملكه لأجل مصلحة جاره، فإن مقتضى المالك التام أن يكون للمالك الاختيار في انتفاعه بملكه وفي تصرفه في على الوجه الذي يريد مادام خالصا من تعلق حق غيره به. ولكن المالكية والحنابلة يرون وجوب تقيد الجار في تصرفه وانتفاعه بملكه بما لا يضر جاره ضررا بينا غير معتاد[64]. فصاحب السفل يجب بطبيعة موقعه من العلو، أن يتحمل من العلو مالا يتحمل العلو من السفل.

رابعا: الغرض المخصص للعقار: فما يعتبر ضررا غير مألوف للعقار المخصص للسكنى قد يعتبر ضررا مألوفا بالنسبة للعقار الذي يقتضي دوام الحركة، وهكذا.

المطلب الثاني: بعض أنواع التحملات العقارية

لقد خصص المشرع المغربي من خلال مدونة الحقوق العينية، الفصل الثاني من الباب الثاني للحديث عن التحملات العقارية وذلك من خلال المواد من 70 إلى 78، ولتعدد هذه التحملات سوف نقتصر على دراسة غرس الأشجار قرب حدود أرض الجار.فقد سمحت مدونة ح.ع للمالك بغرس الأشجار والأغراس بالقرب من حدود أرض جاره، وقيدت هذا الحق بقيود معينة رفعا للأضرار التي قد تسببها هذه الأغراس لصاحب الأرض المجاورة (الفقرة الأولى) وسعيا من المشرع أيضا إلى تجنب النزاعات التي قد تنشأ بين الملاك المتجاورين بسبب الحدود نص على إمكانية إجبار الجار على تعيين حدود الأملاك المتلاصقة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: غرس الأشجار قرب حدود أرض الجار

إذا كان حق الملكية يوفر لصاحبه سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف ومن ثم يكون له أن يغرس أرضه بما شاء من أغراس وأشجار، فإنه يتعين عليه أن يتقيد بقيود تحد من الأضرار التي يمكن أن تلحق جاره من غرس هذه الأغراس والأشجار بالقرب من حدود أرضه[65]. فعلى المالك أن يتقيد بالمسافات التي تحددها الأنظمة اوالأعراف الثابتة والمسلم بها[66]، إذ جاء في الفقرة الأولى من المادة 72: “على المالك أن لا يغرس أشجارا أو شجيرات أو أغراسا على حدود أرضه أو يعوضها إذا ماتت أو قطعت أو قلعت دون مراعاة المسافات التي تحددها الأنظمة…”.

وفي حالة غياب أو عدم وجود أنظمة في هذا الشأن، فيمكن تحديد هذه القيود انطلاقا من المواد من 72 إلى 74 من م.ح.ع والتي هي كالتالي:

– إذا كانت الأشجار التي يراد غرسها مما يتجاوز علوها مترين، فيجب على المالك أن يترك مترين بين الخط الفاصل بين أرض الجار والأرض التي سيقام الغرس عليها.

– إذا كانت هذه الأشجار لا تتجاوز المترين فيتعين أن يترك مسافة نصف متر فقط ليفصل بين حدود ملك الجار وتلك الأشجار.

وتجدر الإشارة إلى أنه على المالك احترام هذه المسافات حتى في حالة تعويض ما مات أو قطع أو قلع من الأشجار المغروسة.

 واستثناء من هذه المقتضيات، وحسب الفقرة الثالثة من المادة 72 من المدونة يمكن أن تغرس الأشجار على جهتي الحائط الفاصل بين عقارين دون أن يكون من اللازم مراعاة أي مسافة غير أنه لا يجوز أن تعلو قمة الحائط.

وإذا قام المالك بغرس أرضه دون احترام هذه المسافات المحددة قانونا، فإنه من حق الجار أن يطالب بقلعها ورفع ما قد تسببه من أضرار[67] وهذا ما تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة 72 من م.ح.ع التي جاء فيها: “وللجار حق المطالبة برفع ما قد تسببه من أضرار”.

وكتب الفقه تزخر بالعديد من الأمثلة التي تؤكد هذا المبدأ

قال ابن عاصم:

ومحدث ما فيه للجار ضرر       محقق يمنع من غير نظر

فمن أحدث شيئا فيه ضرر للجار ضرر محقق لا محتمل أو متوقع، يمنع من إحداثه ويزال ما أحدثه لقوله عليه الصلاة والسلام “لا ضرر ولا ضرار”[68].

ويسري نفس الحكم في حالة غرس المالك للأشجار بجوار بناء جاره إذا كانت هذه الأشجار تمتد جذورها، إذ يحق لمالك هذا البناء المطالبة بقلعها[69].

قال ابن عاصم:

ومن تكن له بملك شجرة          أغصانها عالية منتشـــــــرة

فلا كلام عند ذا لجارهـا          لا في ارتفاعها ولا انتشارها

وكل ما خرج عن هواء           صاحبها يقطع باستــــــــواء

فكل ما خرج من أغصان الشجرة عن هواء أرض صاحبها وامتد على أرض جاره فإنه يقطع ذلك خارج فقط[70].

وتجدر الملاحظة إلى أن الثمار التي تسقط بصورة طبيعية من الأغصان المتجاوزة على أرض الجار تكون من حق هذا الجار (المادة 74 من م.ح.ع).

والأكثر من ذلك، أن المشرع نص في الفقرة الثانية من المادة 74 من م.ح.ع “يجوز لهذا الجار أن يقطعها بنفسه إذا خشي أن يصيبه ضرر من ذلك…”.

وتعليقا على هذا المقتضى القانوني، ترى إحدى الباحثات[71]، أن فيه تطبيق لمبدأ العدالة الخاصة أي أخذ الفرد لحقه دون ضرورة اللجوء إلى القضاء ورفع دعوى أمام المحاكم وكسبها والمطالبة بالحصول على حقه بالقوة العمومية.

والرأي فيما نعتقد، أن المشرع لم يكن موفقا في هذا المقتضى، على اعتبار أن دور القضاء هو رد المظالم لاصحابها ولا يمكن للفرد أن يأخذ حقه بنفسه لأن من شأن ذلك إحداث منازعات أمام القضاء، إضافة إلى ذلك، فقد يتخذ الجار هذا المقتضى مطية لإزالة هذه الاغصان تحت نية يضمرها نحو جاره، ثم أنه في حالة إزالة هذه الأغصان يصعب إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه إذا لم يثبت أن هناك ضرر أصاب الجار، ومن ثم كان على المشرع إعطاء الحق للجار في المطالبة بإزالة هذه الأغصان، وتبقى للمحكمة السلطة التقديرية في إزالة هذه الأغصان من عدمه بعد إجراء خبرة إن رأت ذلك ضروريا حسب قواعد المسطرة المدنية.

إضافة إلى ما سبق فقد تطرق المشرع إلى مسألة امتداد أغصان الأشجار أو جذورها على الطرق أو جنباتها، بحيث يجوز لكل ذي مصلحة المطالبة بقطعها[72].

قال ابن عاصم:

والحكم في الطريق حكم الجار        في قطع ما يؤدي من الأشجار[73]

فالغاية من إقرار هذا المقتضى هو رفع الضرر عن المارة في الطريق، لأن الطريق مخصص للمنفعة العامة وذلك يوجب استواء الحكم بينهم وبين الجار.

الفقرة الثانية: التحملات المتعلقة بوضع الحدود

تنص المادة 70 من مدونة الحقوق العينية على ما يأتي: “للجار أن يجبر جاره على تعيين حدود لأملاكهما المتلاصقة، وتكون نفقات التحديد مشتركة بينهما”.

ويتبين من هذا النص أن أرضين متلاصقتين غير مبنيتين وتعودان لمالكين مختلفين، ويريد أحد المالكين إقامة حدود فاصلة على أرضهما، حتى تتميز كل أرض عن الأخرى. ووجه أن وضع الحدود قيد على الملكية هو أن كل مالك من المالكين المتلاصقين يجبر على المساهمة في هذا العمل، فتتقيد بذلك حريته في ملكه بعد أن كان حراً في تحديد هذا الملك أو عدم تحديده، وذلك ما لم يتراض المالكان ويتفقا وديا على وضع الحدود. فهناك إذن اتفاق ودي على وضع الحدود، فإن تعذر هذا الاتفاق، إما لرغبة أحدهما في تجنب نفقات التحديد أو لخشية من ظهور زيادة في ملكه يكون قد اغتصبها أو لغير ذلك من الأسباب، جاز للمالك الآخر أن يرفع على المالك الأول دعوى تعيين الحدود[74].

وغني عن البيان أن الالتزامات التي تعود إلى وضع الحدود لا تتحقق في حقل العقارات المحفظة مادامت تخضع لتحديد دقيق قبل إنشاء الرسم العقاري. ولذلك لا يمكن أن نتصور وجدود هذا النوع من التحملات على العقارات المحفظة، إذ يكفي الرجوع إلى الرسم العقاري والخريطة الطبوغرافية لتبيان الحدود. ويكفي، لمعرفة الحدود كذلك في نطاق العقارات المحفظة أن تكون إحدى الأرضين المتلاصقتين محفظة.

وإذا كان للجار أن يجبر جاره على تعيين حدود لأملاكهما المتلاصقة، فإنه “ليس للجار أن يجبر جاره على تسوير أرضه إلا إذا تضرر من ذلك” (مادة 76، فقرة 2).

ولكن “يحق للمالك أن يسور ملكه على أن لا يحول ذلك دون استعمال مالك عقار مجاور لحقوقه، ولا يجوز له أن يهدم الحائط المقام مختارا دون عذر قوي إن كان هذا يضر بالجار الذي يستتر ملكه بهذا الحائط” (مادة 76 فقرة 1).

خاتمة:

وختاما يمكن القول بأن حق الارتفاق يعتبر اليوم عنصرا أساسيا في التنظيم القانوني للملكية العقارية سواء تعلق الأمر بالأراضي الحضرية أو القروية، كانت مبنية أم لا، فهو يسهل استعمال العقارات.

ومما يلاحظ أن حق الارتفاق يترتب في معظم الأحيان على عقارين متجاورين ولهذا اهتم الفقهاء المسلمون بتنظيم العلاقة بين الجيران وبينوا حدود المالك في الانتفاع بملكه حتى لا يضر جاره، معتمدين في ذلك قاعدة أساسية بنيت عليها جميع الحقوق التي أقرتها الشريعة الإسلامية وهي قوله صلى الله عليه وسلم “لا ضرر ولا ضرار”.

مقال قد يهمك :   مسطرة نزع الملكية بين متطلبات المصلحة العامة و ضمانة التعويض العادل

وفي عصرنا الحاضر في غياب الوازع الديني وتغليب المصلحة الخاصة، وبالرغم من وجود نصوص قانونية تنظم حق الارتفاق وتحدد مجاله، فإن هذا الحق أصبح يشكل سببا من أسباب النزاعات التي تقوم بين الجيران، خصوصا فيما يتعلق بحقي المرور والمطل، وغير ذلك من أنواع الارتفاقات.

ومهما يكن من أمر، فيمكن القول بوجه عام أن مدونة الحقوق العينية استطاعت أن تأخذ بالمبادئ التي قررها الفقه الإسلامي في هذا الشأن.


قائمة المراجع :

أولا : المراجع العامة     

  • أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، المجلد العاشر، دار الصادر بيروت، دون ذكر الطبعة،
  • أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي الملكي، القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، تحقيق محمد بن سيدي محمد مولاي، بدون طبعة، بدون دار النشر
  • أبي الحسن على بن عبد السلام التسولي، البهجة في شرح التحفة، الجزء الثاني، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، دون ذكر الطبعة.
  • أستاذنا إدريس الفاخوري، الحقوق العينية وفق القانون رقم 08-39، مطبعة المعارف الجديدة، طبعة 2014،
  • الأربعين النووية، الإمام محيى الدين بن شرف النووي، بدون ذكر الطبعة،
  • برهان الدين بن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، الجزء الثاني، طبعة 2003 دار عالم الكتب.
  • عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثامن، حق الملكية (مع شرح مفصل للأشياء والأموال)، الطبعة الأولى 1967، دار إحياء التراث العربي بيروت.
  • عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني-الجزء التاسع-أسباب كسب الملكية-مع الحقوق العينية الأصلية المتفرعة عن الملكية (حق الانتفاع وحق الارتفاق) دار أحياء التراث العربي بيروت- لبنان، 1968.
  • علي الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية مع المقارنة بالشرائع الوضعية، طبعة 1996، دار الفكر العربي.
  • مأمون الكزبري، التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصلية والتبعية في ضوء التشريع المغربي، الجزء الثاني الحقوق العينية الأصلية والتبعية، الطبعة الثانية 1987، العربية للطباعة والنشر الرباط.
  • محمد ابن معجوز، الحقوق العينية في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي، الطبعة الأولى 1990، دون ذكر دار النشر.
  • محمد بن جرير بن يزيد الطبري، تفسير الطبري من كتابه جامع البيان عن تأويل أي القرآن، المجلد الخامس، مؤسسة الرسالة، دون ذكر الطبعة،
  • محمد طه البشير، الدكتور غني حسون طه، الحقوق العينية، الحقوق العينية الأصلية – الحقوق العينية التبعية، الجزء الأول، بدون ذكر المطبعة ولا السنة.
  • محمادي لمعكشاوي، المختصر في شرح مدونة الحقوق العينية الجديدة عل ضوء التشريع والفقه والقضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2013،
  • محمد قدري، المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، الطبعة الثانية، المطبعة الكبرى الأميرية 1891.
  • القانون المدني، مجموعة الأعمال التحضيرية، الجزء السادس، الحقوق العينية، مطبعة دار الكتاب العربي، دون ذكر الطبعة.
  • وهبي الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ج6 دار الفكر دمشق الطبعة الرابعة

ثانيا : المراجع الخاصة

  • محمد مومن، حقوق الارتفاق في القانون المغربي، الطبعة الأولى 2002، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش.

ثالثا : الأطروحات والرسائل

  • زيد قدري الترجمان، نظرية التعسف في استعمال الحق وتطبيقها على الملكية العقارية، بحث لنيل الدكتواه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانون والاقتصادية والاجتماعية – الرباط، السنة الجامعية 1980.
  • عبد الحي الغريسي، تقييد وتشطيب حقوق الارتفاق – الإشكالات العملية – رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،قوانين التجارة والأعمال ، جامعة محمد الأول،كلية الحقوق وجدة السنة الجامعية 2014-2015.

رابعا: المقالات

  • إدريس اجويلل، حقوق الارتفاق والتحملات العقارية من خلال قانون 39/08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، مقال منشور بمجلة القبس المغربية، العدد 3 يوليوز 2012.
  • سوكينة بنجلالي، رفع مضار الجوار وفق مدونة الحقوق العينية وأحكام الفقه الإسلامي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،  قانون العقود والعقار، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق  وجدة، السنة الجامعية 2014-2015.

خامسا: المواقع الإلكترونية

www.marocdroit.com


الهوامش :

*) تم إنجاز هذا العرض من طرف طلبة ماستر قانون العقود و العقار بكلية الحقوق بوجدة جامعة محمد الأول .

[1]  ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان  1432(29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادر بتاريخ 28 شعبان  1432(30 يوليو 2011)، ص 3600.

[2] – القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 صادر في 25 من ذي الحجة 1432(22 نوفمبر 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 27 ذو الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011)، ص 5587.

[3]  أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، المجلد العاشر، دار الصادر بيروت، دون ذكر الطبعة، ص 118.

[4] – سورة الكهف، الآية 16.

[5]  محمد بن جرير بن يزيد الطبري، تفسير الطبري من كتابه جامع البيان عن تأويل أي القرآن، المجلد الخامس، مؤسسة الرسالة، دون ذكر الطبعة، ص 255.

[6]– أبي الحسن على بن عبد السلام التسولي، البهجة في شرح التحفة، الجزء الثاني، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، دون ذكر الطبعة. 413.

[7] نفس المرجع، ص 414.

[8] حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا ، مأخوذ من كتاب الأربعين النووية، الإمام محيى الدين بن شرف النووي، بدون ذكر الطبعة، ص  295

[9] – أستاذنا إدريس الفاخوري، الحقوق العينية وفق القانون رقم 08-39، مطبعة المعارف الجديدة، طبعة 2014، ص 169.

[10]  – نفس المرجع , نفس الصفحة

[11] – مأمون الكزبري، التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصلية والتبعية في ضوء التشريع المغربي، الجزء الثاني الحقوق العينية الأصلية والتبعية، الطبعة الثانية 1987، العربية للطباعة والنشر الرباط ص254.

[12] – عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني-الجزء التاسع-أسباب كسب الملكية-مع الحقوق العينية الأصلية المتفرعة عن الملكية (حق الانتفاع وحق الارتفاق) دار أحياء التراث العربي بيروت- لبنان، 1968، ص 1283

[13] – وهبي الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته ج6 دار الفكر دمشق الطبعة الرابعة ص446.

[14] – علي الخفيف: الملكية في الشريعة الاسلامية مع المقارنة بالشرائع الوضعية، معناها-أنواعها-عناصرها-خواصها-قيودها، دار الفكر العربي 1996، ص: 122

[15] – وهبي الزحيلي، م س، ص: 460

[16] – نفس المرجع، ص  461.

 -[17] قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 25/09/2012 تحت عدد 4115 في الملف المدني عدد 2/5/678 ،منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 164 ص 253 وما يليها.

[18] – قرار صادر بتاريخ 29/10/09 تحت عدد 129 في الملف عدد 209/08/12 منشور بقضاء محكمة الاستئناف بالرباط عدد 2 ص 336 وما يليها.

[19] – مأمون الكزبري مرجع سابق ص262.

 -[20] قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 10/01/2012 تحت عدد 137 في الملف المدني عدد 11/5/2428 منشور بمجلة قضاء محكمة النقض عدد 76 ص30 ومايليها.

[21] – قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 08/02/11 تحت عدد 571 في الملف عدد 2583/1/5/10 منشور بمجلة قضاء محكمة النقض عدد 75 ص 74 وما يليها.

[22] – محمد ابن معجوز، الحقوق العينية في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي، الطبعة الأولى 1990، دون ذكر دار النشر، ص : 437.

[23] – محمد مومن، حقوق الارتفاق في القانون المغربي، الطبعة الأولى 2002، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ص: 88.

[24] – مأمون الكزبري، مرجع سابق، ص: 268.

[25] – نفس المرجع، ص: 269.

[26] – محمادي لمعكشاوي، المختصر في شرح مدونة الحقوق العينية الجديدة عل ضوء التشريع والفقه والقضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2013، ص: 167.

[27] – عبد الحي الغريسي، تقييد وتشطيب حقوق الارتفاق – الإشكالات العملية – رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،قوانين التجارة والأعمال ، جامعة محمد الأول،كلية الحقوق وجدة السنة الجامعية 2014-2015، ص: 34.

[28] – محمد ابن معجوز، مرجع سابق، ص: 437.

[29] – عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء التاسع، ص 1375.

[30] – محمد ابن معجوز، مرجع سابق، ص: 435.

[31] – محمادي لمعكشاوي، مرجع سابق، ص: 168.

[32] – عبد الحي الغريسي، مرجع سابق، ص: 37.

[33] – تنص المادة 20 من م.ح.ع على ما يلي: “إذا تعلق حق الغير بعقار فلا يسوغ لمالكه أن يتصرف فيه تصرفا ضارا بصاحب الحق”.

[34] – محمد ابن معجوز، مرجع سابق، ص: 435-436.

[35] – الحسين بوحمو، الحسين لبلابي، نصور عبد البر، أحمد بوجلي: مسطرة تعويض العقارات موضوع حقوق الارتفاق، مقال منشور على الموقع الالكتروني www.marocdroit.com، تاريخ الولوج 9/05/2016 على الساعة 11h36.

[36] – أبي الحسين علي بن عبد السلام التسولي، مرجع سابق ص: 414.

[37] – محمادي لمعكشاوي، مرجع سابق، ص: 169.

[38] – إدريس اجويلل، حقوق الارتفاق والتحملات العقارية من خلال قانون 39/08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، مقال منشور بمجلة القبس المغربية، العدد 3 يوليوز 2012، ص: 66.

[39] – مأمون الكزبري، مرجع سابق، ص: 271.

[40] – نفس المرجع، ص: 272.

[41] – عبد الرزاق أحمد السنهوري، مرجع سابق، ص: 1402.

[42] – محمد طه البشير، الدكتور غني حسون طه، الحقوق العينية، الحقوق العينية الأصلية – الحقوق العينية التبعية، الجزء الأول، بدون ذكر المطبعة ولا السنة، ص: 336.

[43] – عبد الرزاق أحمد السنهوري، مرجع سابق، ص: 1402.

[44] – إدريس اجويلل، مرجع سابق، ص: 66.

[45]  وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني المصري على أن “القيود القانونية قد تكون اقتضتها التزامات الجواز، وهي التزامات قدرها القضاء المصري مستلهما فيها الشريعة الإسلامية، وقتها المشروع على الوجه الذي قرره القضاء…”. أنظر القانون المدني، مجموعة الأعمال التحضيرية، الجزء السادس، الحقوق العينية، مطبعة دار الكتاب العربي، دون ذكر الطبعة، ص 8.

[46]  عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثامن، حق الملكية (مع شرح مفصل للأشياء والأموال)، الطبعة الأولى 1967، دار إحياء التراث العربي بيروت، ص 643.

[47]  المرجع نفسه، صفحة 683.

[48]  ويقابل هذان النصين في القانون المدني المصري المادة 807 الذي تنص على ما يأتي:

“1 – على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار.

 2 – وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف، على أن يراعي في ذلك العرف، وطبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له. ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق”.

وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني المصري على أن “هذا نص جوهري في المشروع يقرر التزامات الجوار فيجعلها التزامات قانونية، وهي الآن (في التقنين المدني السابق) التزامات لا مصدر لها إلا القضاء المصري، قررها مهتدياً في تقريرها بالشريعة الإسلامية، فقننها المشروع كما هي مقررة في القضاء المصري وفي الشريعة الإسلامية معاً فأصبحت التزامات مستقرة ثابتة لها مصدر معروف هو نص القانون “. أنظر مجموعة الأعمال التحضيرية، مرجع سابق، صفحة 31.

[49]  محمد ابن معجوز، مرجع سابق، صفحة 93.

[50] ينص الفصل 92 على ما يلي: ومع ذلك، لا يحق للجيران أن يطلبوا إزالة الأضرار الناشئة عن الالتزامات العادية للجوار، كالدخان الذي يتسرب من المداخن، وغيره من المضار التي لا يمكن تجنبها والتي لا تتجاوز الحد المألوف.

[51]  وقد قضت محكمة الاستئناف بالرباط أنه “يجبر الجار على رفع الضرر إذا ثبت أن إحداثه لبناء ببهو شقة تخضع لقانون الملكية المشتركة ودون الحصول على ترخيص من السلطات المختصة، سيما إن كان من شأن هذا البناء السيئ المنظر أن يؤثر على قيمة تفويت باقي الشقق المجاورة”، قرار 220 بتاريخ 18 أبريل 2012، ملف عدد 375/430/2010/1201، مجلة قضاء محكمة الاستئناف الرباط، عدد 6، 2013.

[52] وقد قضت محكمة الاستئناف بالرباط بأن “ترخيص الإدارة لا يلغي حق الجيران في مطالبة أصحاب المطلات برفع الضرر متى ثبت حصوله إما بإزالته أو اتخاذ ما يلزم لرفعه”، قرار عدد 266 بتاريخ 8 يوليوز 2009، ملف عدد 25/2009/6، مجلة قضاء محكمة الاستئناف الرباط، عدد 6، 2013.

[53] زيد قدري الترجمان، نظرية التعسف في استعمال الحق وتطبيقها على الملكية العقارية، بحث لنيل الدكتواه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانون والاقتصادية والاجتماعية – الرباط، السنة الجامعية 1980، صفحة 131.

[54]  أنظر في موضوع الإساءة في استعمال حق الملكية الأستاذ إدريس الفاخوري، مرجع سابق، صفحة 83.

[55]  كنص الفصل 94 الذي جاء فيه ما يلي: “لا محل للمسؤولية المدنية، إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله.

غير أنه إذا كان من شأن مباشرة هذا الحق أن تؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بالغير، وكان من الممكن تجنب هذا الضرر أو إزالته من غير أذى جسيم لصاحب الحق، فإن المسؤولية المدنية تقوم إذا لم يجر الشخص ما كان يلزم لمنعه أو لإيقافه”.

[56]  عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، مصادر الالتزام، الطبعة الأولى 1953، دار إحياء التراث العربي بيروت، صفحة 836.

[57]  عبد الرزاق السنهوري، الجزء الثامن، مرجع سابق، صفحة 693.

[58] قرار عدد 2139 الصادر بتاريخ 10 ماي 2011، في الملف المدني عدد 4631/5/2010، منشور بمجلة قضاء محكمة النقض، عدد 74 ص 133.

[59]  محمد قدري، المعاملات الشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، الطبعة الثانية، المطبعة الكبرى الأميرية 1891، صفحة 11.

[60]  محمد ابن معجوز، مرجع سابق، ص 74.

[61]  برهان الدين بن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، الجزء الثاني، طبعة 2003 دار عالم الكتب، ص 259.

[62]  أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي الملكي، القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، تحقيق محمد بن سيدي محمد مولاي، بدون طبعة، بدون دار النشر، ص، 509.

[63]  عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، 687.

[64]  علي الخفيف، الملكية في الشريعة الإسلامية مع المقارنة بالشرائع الوضعية، طبعة 1996، دار الفكر العربي، ص 111.

[65] – أستاذنا إدريس الفاخوري، مرجع سابق، ص: 157.

[66] – مأمون الكزبري، مرجع سابق، ص: 101.

[67] – سوكينة بنجلالي، رفع مضار الجوار وفق مدونة الحقوق العينية وأحكام الفقه الإسلامي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،  قانون العقود والعقار، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق  وجدة، السنة الجامعية 2014-2015، ص: 39.

[68] – أبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، مرجع سابق، ص: 555.

[69] – تنص المادة 74 من م.ح.ع على أنه: “إذا امتدت أغصان الأشجار فوق أرض الجار فله أن يطالب بقطعها إلى الحد الذي تستوي فيه مع حدود أرضه…”

[70] – أبي الحسن علي بن عبد السلم التسولي، مرجع سابق، ص: 566.

[71] – سوكينة بنجلالي، مرجع سابق، ص: 39.

[72] – أنظر الفقرة الأخيرة من المادة 74 من م.ح.ع.

[73] – أبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، مرجع سابق، ص: 567.

[74]  عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص 742.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)