عادل الوريقي: الــتحكيم فــي الــمنازعات الــرياضية

فدوى بوزكري: أثر الحيازة في إثبات ملكية العقار غير المحفظ

عادل الوريقي: قــــانــــون الــــريــــاضــــــة بالمغرب

11 يوليو 2023 - 11:09 م مقالات , القانون الخاص , مقالات
  • حجم الخط A+A-

عادل الوريقي دكتور في العلوم الإدارية

تمهيد:

يعتبر القانون الرياضي في أي دولة أداة أساسية لتنظيم وتنظيم الأنشطة الرياضية في البلاد، ويهدف إلى ضمان النمو الصحيح للرياضة وتشجيع المشاركة الواسعة والعادلة للجميع، بالإضافة إلى الحفاظ على النزاهة والأخلاقية في المنافسات الرياضية.

وفي المغرب، تم التركيز بشكل كبير على تطوير قوانين الرياضة لتعزيز النمو المستدام وتعزيز القيم الرياضية في المجتمع. وقد تم تبني قانون الرياضة بعد تشاور واسع ومشاركة مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك الهيئات الرياضية والجهات الحكومية ذات الصلة والجمعيات المدنية المهتمة بالرياضة.

يتضمن قانون الرياضة في المغرب مجموعة من الأحكام والمبادئ التوجيهية التي تنظم ممارسة الرياضة في البلاد، حيث يهدف إلى توفير إطار قانوني شامل يحمي حقوق وحريات الرياضيين والمدربين والحكام والجمهور، ويعزز النزاهة والعدالة في المنافسات الرياضية.

ومن بين الجوانب التي يغطيها قانون الرياضة في المغرب هي تنظيم الأندية الرياضية والجمعيات الرياضية وترخيصها، بالإضافة إلى تنظيم المسابقات والبطولات وضمان سلامة الرياضيين وتوفير الرعاية الصحية والحماية اللازمة لهم.

كما يحظر قانون الرياضة في المغرب أي أشكال من التمييز أو العنصرية أو العنف في المجال الرياضي، ويعمل على تعزيز قيم الروح الرياضية والتعاون والانضباط في المنافسات الرياضية. ويتم تنفيذ هذا القانون من خلال إنشاء هيئات تنظيمية وإدارية مختصة، مثل وزارة الشباب والرياضة واللجان الرياضية المحلية، التي تعمل على تنفيذ وتطبيق القوانين واللوائح الرياضية في المغرب.

وتعتبر وزارة الشباب والرياضة المغربية المسؤولة عن تنفيذ سياسات الرياضة في البلاد وتطوير البنية التحتية الرياضية وتشجيع المواهب الرياضية الواعدة، حيث تعمل الوزارة أيضا على توفير الدعم المالي والتقني للأندية الرياضية والاتحادات الرياضية المختلفة، وتقوم بتشجيع البرامج التدريبية والتطوير المهني للمدربين والحكام الرياضيين.

بالإضافة إلى ذلك، تم اتخاذ إجراءات لتطوير البنية التحتية الرياضية في المغرب، بما في ذلك بناء وتجهيز الملاعب والصالات الرياضية المتطورة وتوفير المرافق الضرورية للتدريب وممارسة الرياضة. كما تمت إقامة العديد من البطولات والمسابقات الرياضية الوطنية والدولية في المغرب، مما يعزز السمعة الرياضية للبلاد ويجذب الانتباه إلى قدرتها على استضافة الأحداث الرياضية الكبرى.

وقوانين الرياضة في المغرب تشمل عدة تشريعات ولوائح تهدف إلى تنظيم الأنشطة الرياضية في البلاد، ومن أبرز هذه القوانين واللوائح نجد:

القانون الأساسي للرياضة: يحدد هذا القانون الأساسي المبادئ والأهداف العامة لتطوير الرياضة في المغرب، بما في ذلك تشجيع المشاركة الواسعة والتكافل الاجتماعي وتعزيز النزاهة والعدالة في المنافسات الرياضية.

قانون الهيئات الرياضية: يتعلق هذا القانون بتنظيم وتنظيم الأندية الرياضية والجمعيات الرياضية في المغرب، بما في ذلك إجراءات الترخيص والتنظيم الداخلي والمالي والإداري لهذه الهيئات.

قانون مكافحة المنشطات: يهدف هذا القانون إلى الحد من استخدام المنشطات في الرياضة وضمان النزاهة والتنافس العادل. يتضمن القانون إجراءات للاختبارات المضادة للمنشطات وتحديد العقوبات للمخالفين.

لائحة الانتقالات: تنظم هذه اللائحة عمليات الانتقالات للرياضيين بين الأندية المغربية، بما في ذلك الشروط والإجراءات المتعلقة بالعقود والتعويضات المالية وحقوق الرياضيين.

قانون الجمعيات الرياضية: ينظم هذا القانون تأسيس وتنظيم الجمعيات الرياضية غير الربحية في المغرب، بما في ذلك الشروط والإجراءات المتعلقة بالترخيص والإدارة والمالية.

رغم هذه الترسانة القانونية المرتبطة بالمجال الرياضي، فإنه لا يعوز قانون الرياضة في المغرب بعض الإشكاليات الرئيسية، وذلك فيما يتعلق بتحقيق التوازن بين التطور الرياضي والمحافظة على القيم الثقافية والتقاليد المغربية. ومع تزايد الاهتمام بالرياضات العالمية والتقنيات الحديثة، يواجه المغرب تحديا في الحفاظ على هويته الرياضية المميزة وتعزيز القيم الثقافية المحلية.

علاوة على ذلك، يتطلب قانون الرياضة في المغرب أيضا تعزيز المشاركة الشاملة والمتساوية في الرياضة، بغض النظر عن الجنس أو العمر أو القدرات البدنية. ناهيك عن أنه يجب توفير فرص متساوية للجميع للمشاركة في الرياضة والاستفادة من فوائدها الصحية والاجتماعية.

أيضا، يواجه قانون الرياضة في المغرب تحديات فيما يتعلق بالمراقبة والإشراف ومكافحة الفساد والغش الرياضي. وعليه، يجب وضع آليات فعالة لضمان النزاهة في المنافسات الرياضية وتطبيق العقوبات المناسبة على المخالفين. كما أنه يمكن أن يشكل ضعف التنسيق والتعاون بين الهيئات الرياضية المختلفة والجهات الحكومية عقبة أخرى في تنفيذ القوانين الرياضية بشكل فعال.

زد على ذلك، يواجه قانون الرياضة في المغرب التحديات فيما يتعلق بتوفير التمويل الكافي لدعم الأنشطة الرياضية وتطوير البنية التحتية، إذ قد يكون هناك حاجة لتعزيز الاستثمار في الرياضة وتوفير الموارد المالية لتطوير البنية التحتية الرياضية وتنمية المواهب.

وعلى هذا الأساس، اخترنا تقسيم مقالنا إلى ثلاث مباحث أساسية للتطرق إلى مختلف الإشكالات المرتبطة بالقانون الرياضي المغربي، وذلك وفق الشكل التالي:

  • مبحث تمهيدي: توطئة تاريخية (تطور التشريع الرياضي بالمملكة المغربية)
  • المبحث الأول: أسس التشريع الرياضي بالمملكة المغربية
  • المبحث الثاني: التشريع الرياضي الحديث بالمملكة المغربية

مبحث تمهيدي: توطئة تاريخية

تطور التشريع الرياضي بالمملكة المغربية

تعد الرياضة أحد الأنشطة الإنسانية المهمة، فلا يكاد يخلوا مجتمع من المجتمعات الإنسانية من شكل من أشكال الرياضة، بغض النظر عن درجة تقدم أو تخلف هذا المجتمع، ولقد عرفها الإنسان عبر عصوره وحضارته المختلفة، وإن تفاوتت توجهات كل حضارة بشأنها، فبعض الحضارات اهتمت بالرياضة لاعتبارات عسكرية سواء كانت دفاعية أو توسعية، والبعض الآخر مارس الرياضة لشغل أوقات الفراغ، وكشكل من أشكال الترويح بينما وظفت الرياضة في حضارات أخرى كطريقة تربوية، حيث فطن المفكرون القدماء إلى إطار القيم الذي تحفل به الرياضة، وقدرتها الكبيرة على التنشئة والتطبيع وبناء الشخصية الاجتماعية المتوازنة، ناهيك عن الآثار الصحية التي ارتبطت منذ القدم بممارسة الرياضة وتدريباتها البدنية.[1]

فالقانون لا يخلق من فراغ ولا بمجرد صدفة، بل تفرض المعاملات المستجدة وليدة المتغيرات الاجتماعية أو المتغيرات العلمية التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك، الحاجة إلى قواعد قانونية خاصة تتناسب مع الطبيعة الخاصة لهذه المعاملة أو تلك، فلولا اختراع الطائرة لما كان هناك القانون الجوي ولولا غزو الفضاء وما نجم عنه من مشاكل فرضت حلولا معينة لمصلحة الجميع، لما كان هناك قانون الفضاء.[2]

مقال قد يهمك :   عمر علوي هشماني: الصحراء المغربية بين منظور النظام الجهوي وإطار الحكم الذاتي

وهذه القاعدة تطبق بدون شك على المجالات الرياضية بمختلف أنواعها وأشكالها، إذ لولا اكتشاف هذه الألعاب والرياضات وتطورها واكتساحها للكرة الأرضية وتحولها من مجال اللعبة إلى رياضة تحكمت فيها الرؤيا التجارية بعد ظهور الاحتراف لما تولدت القوانين الرياضية للبت في النزاعات والخلافات الناشئة بين الأطراف الفاعلين في الحقل الرياضي الكروي والناتجة على العلاقات التجارية أو العقدية المتعلقة بالعقوبات التأديبية الرامية إلى تخليق هذه الرياضة التي أصبحت وسيلة من وسائل الغنى.

المبحث الأول: أسس التشريع الرياضي بالمملكة المغربية

يقتضي الحديث عن الحق في الرياضة في المغرب على غرار باقي دول العالم، جرد للتشريع الرياضي فيه بين الأمس واليوم من خلال دراسة جوانب التأثير في تبني أي سياسة رياضية (المطلب الأول)، وأيضا جرد لأبرز ملامح التشريع الرياضي في العصر الحالي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: المؤثرات العامة للتشريع الرياضي بالمغرب

يميل أغلب علماء الاجتماع إلى اعتبار الرياضة نظاما اجتماعيا، غير أنهم يتجهون إلى اعتبار الرياضة نظاما اجتماعيا مقننا، وذلك على خلاف الألعاب التي اعتبروها نظاما اجتماعيا تلقائيا لافتقارها إلى عدد من العناصر والمقومات التي تدعم موقفها كنظام مقنن.[3]

ومن هذا المنطلق فإن الإشكالية التي يطرحها الموضوع تتعلق بتوضيح الكيفية التي تعامل بها المشرع المغربي مع ميدان الرياضة، أو بصيغة أخرى كيف نظم المشرع المغربي المجال الرياضي؟

وعلى ضوء كل ما سبق يمكننا القول بأن التنظيم التشريعي للمجال الرياضي اتسم بترسانة قانونية وطنية غنية ومتنوعة، ومما يمكن ملاحظته بشكل عام أن علاقة أصبحت تربط بين الألعاب الرياضية والقانون الجنائي بل وأصبحت محلا لاهتمام عدد كبير من الباحثين، ذلك لأن كثيرا من الألعاب قد يؤدي ممارسها إلى المساس بسلامة أجسام اللاعبين، بل قد يحدث في بعض الأحيان المساس عرضا بالجمهور، وبذلك بدأنا نسمع ونتداول مصطلحا جديدا على أذهان رجال القانون والباحثين وهو القانون الجنائي الرياضي، ورغبة من المشرع في تأطير وحماية المجال الرياضي ومن ضمنها كرة القدم، وبالتالي عرفت الرياضة تطورا كبيرا حيث انتقلت من اللعب إلى الألعاب ثم إلى الرياضة التي تحتوي على قوانين وقواعد لممارستها، والرياضة بمفهومها الحديث عرفت انتشارا واسعا حيث يمارسها جل أفراد المجتمع أطفال ونساء ورجال نظرا للدور الفعال والنتائج الإيجابية التي أدت إليها.

المطلب الثاني: المجال الرياضي في المغرب قبل دستور 2011

قبل صدور دستور فاتح يوليوز لسنة 2011 ظل المغرب منفتحا على محيطه الخارجي في مجال التشريعات الرياضية، فإضافة إلى استعانته بقانون التربية البدنية الفرنسي 1984،[4] والذي نلمس صداه في قانون التربية البدنية والرياضة رقم 87.06 لسنة 1989،[5] فإنه وافق من حيث المبدأ على الاتفاقية الدولية لمكافحة المنشطات في مجال الرياضة المعتمدة من طرف “اليونسكو” والموقعة بباريس في 19 أكتوبر 2005، إلى جانب مصادقة مجلس الحكومة في انتظار عرضها على المجلس الوزاري، على الاتفاقية الأوروبية حول أعمال الشغب خلال التظاهرات الرياضية، وخاصة مباريات كرة القدم الموقعة بمدينة ستراسبورغ في 19 غشت 1985 والتي دخلت حيز التنفيذ منذ فاتح نونبر 1985، وتهدف هذه الاتفاقية إلى حث الدول الأطراف على اتخاذ التدابير الضرورية للحد من العنف وأعمال الشغب خلال التظاهرات الرياضية، علما أن هذه الاتفاقية المقترحة من المجلس الأوربي جاءت تماشيا مع الوضع المتقدم الممنوح للمملكة في أكتوبر 2008 من طرف الاتحاد الأوروبي.

من هذا المنطلق شخصت الرسالة الملكية السامية الواقع الرياضي بالمغرب في المناظرة الوطنية للرياضة صيف 2008، وتجاوبت مع جميع التناقضات التي شابت المشهد الرياضي منذ سنوات، وشكلت خطوة حاسمة لتشخيص الحالة التي توجد عليها الرياضة الوطنية حاليا، وورد في الرسالة الملكية أن: “من التجليات الصارخة لاختلالات المشهد الرياضي، ما تتخبط فيه الرياضة من ارتجال وتدهور واتخاذها مطية من لدن بعض المتطفلين عليها للارتزاق أو لأغراض شخصية”.

وجاءت الدعوة الملكية بوضع “نظام عصري وفعال لتنظيم القطاع الرياضي يقوم على إعادة هيكلة المشهد الرياضي الوطني وتأهيل التنظيمات الرياضية للاحترافية ودمقرطة الهيئات المكلفة بالتسيير”. وطالب جلالة الملك “بإعادة النظر في نظام الحكامة المعمول به في تسيير الجامعات والأندية وملائمة الإطار القانوني مع التطورات التي يعرفها هذا القطاع ووضع إستراتيجية وطنية متعددة الأبعاد للنهوض بهذا القطاع”.

وتعتبر الرسالة الملكية نموذجا للتنظيم والممارسة الرياضية بالمغرب وبمثابة خارطة الطريق للرياضة الوطنية ومرجعية أساسية للقائمين على الشأن الرياضي كما استجابت لمتطلبات الشعب المغربي الذي كان ينتقد بشدة المناهج المتبعة في الشأن الرياضي وبالخصوص رياضة كرة القدم التي استاء الجميع من نتائجها السلبية والتي لا تعبر عن أهمية كرة القدم لدى الشعب المغربي.

ولمواكبة الرياضة المغربية للتطورات المعاصرة للرياضة العالمية – الهواية أو الاحتراف – يجب مراعاة نشر الثقافة الرياضية لدى المجتمع، من خلال المؤسسات الرياضية وخلق العديد من فرص ممارسة الرياضة داخل المدارس والجامعات والملاعب المفتوحة والأندية ومراكز الشباب لنصل إلى فرص اكتشاف المواهب الرياضية مرورا بالتعامل مع الجانب الاحترافي والاقتصادي للرياضة من خلال القوانين الدولية والأولمبية واستقلالية المؤسسات والهيئات الرياضية لرفع العبء عن الدولة ولزيادة فرص الاستثمار في الرياضة إلى أن نصل إلى تكوين منتخبات وطنية لها القدرة على التنافس قاريا وعالميا وأولمبيا.

وفي هذا الإطار عقدت وزارة الشباب والرياضة عدة اجتماعات بمشاركة جميع المكونات المرتبطة بالرياضة من مسؤولي قطاع الرياضة واللجنة الوطنية الأولمبية والجامعات الملكية المغربية ومديرية الرياضة من أجل إعداد رؤية واضحة للرياضة المغربية واعدت الوزارة إستراتيجية علمية شاملة تمنح من خلالها الحق للمواطن في ممارسة الرياضة وتعمل على نشر الرياضة داخل مؤسسات الشباب والرياضة والمؤسسات التعليمية بجميع مستوياتها وأنواعها وجميع المرافق الرياضية تسعى للحد من المنازعات الرياضية من خلال هيئة مستقلة للتحكيم الرياضي وتراعي دعم استقلالية الهيئات وجمعياتها.

مقال قد يهمك :   رقابة الغرفة الجنحية ومحكمة النقض على أوامر قاضي التحقيق في ظل قانون المسطرة الجنائية

هذا ما كان يسري به العمل به قبل دستور فاتح يوليوز لسنة 2011، إلا أن المغرب بعد هذه الفترة قد عرف تقدما ملحوظا في مجالات مختلفة وخاصة أن المشرع ارتقى بالحق في الرياضة إلى مصاف القواعد الدستورية وهذا ما سنتحدث عنه في المبحث الثاني.

المبحث الثاني: التشريع الرياضي الحديث بالمملكة المغربية

ما هي أبرز ملامح تعزيز الحق في الرياضة في المغرب بعد دستور 2011؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال هذا المبحث، ففي (المطلب الأول) سنحاول الإحاطة بأسس التشريع الرياضي في المغرب، فيما (المطلب الثاني) سنتناول فيه ملامح تطور الرياضة في المغرب بعد 2011.

المطلب الأول: أسس التشريع الرياضي بالمغرب بعد دستور 2011

كل هذه العوامل والأسباب السالف ذكرها أدت بالمشرع إلى اعتبار الرياضة حق من الحقوق الدستورية، لذلك فإننا سنتناول من خلال هذه الفقرة تطور التشريع الرياضي بالمغرب، فبعد أن خلت الدساتير المغربية منذ أول دستور سنة 1962 إلى غاية 1996 المنتهي العمل به يوم 30 يونيو 2011، من أية إشارة إلى الرياضة، فقد ظلت الترسانة القانونية بالمغرب غير قادرة على استيعاب التطورات المتلاحقة التي همت المجال الرياضي داخليا وخارجيا.[6]

وقد شهدت الساحة الرياضية العالمية والوطنية خلال السنوات الأخيرة تطورات مهمة في المجال الرياضي، حيث أن المشرع المغربي ومواكبة للتطورات والمستجدات التي يعرفها مجال الرياضة نجد بأنه قد ارتقى بالحق في الرياضة إلى اعتبارها حقا دستوريا.

والجدير بالذكر أن الرياضة في الدستور الجديد انسجمت مع مضامين الرسالة الملكية خلال المناظرة الوطنية حول الرياضة بالصخيرات شهر أكتوبر 2008 والتي أعلنت رؤية أعلى سلطة بالبلاد للقطاع الرياضي، فبالنسبة للجانب التشريعي، قال جلالة الملك: “… إن الوضع المقلق لرياضتنا الوطنية، على علاته الكثيرة يمكن تلخيصه في إشكالات رئيسية، وهي بإيجاز: إعادة النظر في إطار الحكامة المعمول به في تسيير الجامعات والأندية، وملائمة الإطار القانوني مع التطورات التي يعرفها هذا القطاع، وكذا مسألة التكوين والتأطير ومعضلة التمويل، علاوة على توفير البنيات التحتية الرياضية، مما يقتضي وضع استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد للنهوض بهذا القطاع الحيوي”.

ومن هذا المنطلق فإن المشرع المغرب وكغيره من التشريعات المقارنة قد اهتم مؤخرا بالمجال الرياضي، وما يؤكد ذلك زخم النصوص القانونية في هذا الميدان وعلى رأسها الدستور خاصة الفصول 26 ،31، 33، بالإضافة إلى القانون 09.09 المتعلق بشغب الملاعب، والقانون 12.97 الذي جاء كأداة من الأدوات لردع المتعاطين للمخدرات في الميدان الرياضي.

بعد صدور دستور الجديد لسنة 2011،[7] ارتقى المشرع المغربي بالرياضة إلى مصاف الحقوق الدستورية، وذلك عندما كرس مبدأ جديدا وواضحا من خلال جعل الرياضة حقا من حقوق المواطن، فقد تجاوز الدستور الذي حظي بموافقة الشعب كل توقعات الحركة الرياضية عندما اشار ضمنيا لمبدأ الاستمتاع بالحقوق الرياضية في ما ورد في منطوق الثلاث فقرات ما قبل الاخيرة من تصديره فإنه اشار بشكل صريح الى ان ممارسة الرياضة من الحقوق المكفولة لكل فرد، اذ نص في عدد من مواده مكانة محترمة للرياضة، وهذا ما جعلها حقا من حقوق المواطن المغربي وكذلك فقد أفرد 3 فصول للرياضة، بل إن هذه الأخيرة جاءت ضمن باب الثاني والمعنون بالحقوق الأساسية، وهو ما يعني أن الدولة ارتقت بالرياضة إلى مرتبة “حق” يترتب عنه واجبات من طرف الدولة وليست مجالا ترفيهيا فقط محصورا أمام فئة معينة، وبأنها مقوم حضاري وإنساني ثابت في المجتمع المغربي.

والجدير بالذكر أن الرياضة في الدستور الجديد انسجمت مع مضامين الرسالة الملكية خلال المناظرة الوطنية حول الرياضة بالصخيرات شهر أكتوبر من سنة 2008 والتي أعلنت رؤية أعلى سلطة بالبلاد للقطاع الرياضي، إذ أن بعض الإشارات الكبرى التي همت دور السلطات العمومية واعتماد الديمقراطية والتخطيط وتيسير ممارسة الرياضة للجميع سبق أن وردت في نفس الرسالة.

وإذا كانت الحركة الرياضية استفادت من الحراك الذي شهده المغرب خلال سنة 2011 على الخصوص، فإن الإشارة إلى الرياضة ضمن مشروع الدستور الجديد جاءت لتضع المغرب في مصاف بعض الدول الأوربية التي تشير دساتيرها إلى الرياضة كحق من حقوق المواطنين، إلى جانب الميثاق الأوروبي الموقع بلشبونة سنة 2007 الذي يشير إلى ضرورة قيام الدول الأعضاء بتيسير كل السبل أمام ممارسة مواطني الاتحاد الرياضي.

المطلب الثاني: المقتضيات الدستورية والرياضة

تكمن أهمية الإشارة إلى الرياضة في الدستور المغربي إلى حد وضع المغرب كبلد استثنائي وسط الدول العربية والإفريقية التي لا تشير دساتيرها إلى الرياضة بأي شكل من الاشكال، وبالتالي إذا كان المغرب سباقا عربيا وإفريقيا إلى التعددية والتناوب والانفتاح السياسي، فإنه أيضا نجح في أن يكون سباقا في مجال دسترة الرياضة.

لقد وضع مشروع الدستور الجديد السلطات العمومية أمام مسؤوليتها اتجاه الرياضة، فبعد عقود من التدبير غير الديمقراطي للمجال الرياضي وعدم احترام القوانين المنظمة للرياضة، جاءت الإشارة واضحة في الفصل 26،[8] حيث تم التنصيص على أن تطوير الرياضة ينبغي أن يكون على أسس ديمقراطية، بل وتمت الإشارة أيضا إلى أن تدبير الرياضة يتوجب أن يتم وفق أسس مهنية مضبوطة، وهو ما يعني ” نظريا وجود إرادة أو نية ” للطلاق مع التدبير العشوائي والهاوي، وانتهاج آليات جديدة تعتمد على تطبيق كامل للقانون وانتهاج واضح لمبدأ الديمقراطية التي كانت الغائب الأكبر في العديد من الجموع العامة لمختلف المؤسسات الرياضية بالمغرب.

ولم يحصر مشروع الدستور مجال الاستفادة من الرياضة على الرياضيين ذوي المستوى العالي، بل وسع المجال ليشمل القاعدة والمواطنين، فالفصل 31 من الدستور[9] يشير صراحة إلى أن من واجب الدولة والمؤسسات العمومية تعبئة كل الوسائل المتاحة من أجل استفادة المواطنين على قدم المساواة من الحق في التربية البدنية، وبالتالي فنحن أمام نقلة نوعية تسمو بالرياضة من قطاع يركز اهتمامه على المرخصين داخل الجامعات الخمسة وأربعين، إلى ضمان ممارسة الرياضة لجميع المواطنين والمواطنات ( الرياضة المدرسية والرياضة للجميع )، على اعتبار أن فتح أوجه الممارسة للجميع يتيح الوصول إلى شعب معافی بدنیا قادرا على تحمل أعباءه اليومية وأيضا واجباته اتجاه الدولة، وهو ما شدد عليه الفصل 33[10] من الدستور عندما فرض على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتيسير ولوج الشباب للمجال الرياضي، وبالتالي فإن الجماعات المحلية، التي كانت تعتمد في تدبيرها على نصوص يغلب عليها التخيير أكثر من الإلزام في كل من الميثاق الجماعي وقانوني الجهات والعمالات والأقاليم، ستصبح مجبرة على برمجة القطاع الرياضي ضمن مخططاتها المستقبلية، كما تنص على إحداث المجلس الأعلى للشباب والعمل الجمعوي، والذي أوكلت له مجموعة من الاختصاصات من بينها الاختصاص الرياضي، والذي نجد صداه بشكل أكثر تفصيلا من خلال منطوق الفصل 170[11] يتحدث عن المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، تركيبته واختصاصاته. إن دسترة الرياضة الوطنية والرغبة في ضمانها كحق دستوري لجميع المواطنين والمواطنات يجب أن تترجم إلى سياسة عمومية لهذا القطاع، من اجل تعزيز التنزيل الديمقراطي للدستور وتحديث واحترافية الإدارة الرياضة، وهو ما سيساعد على إخراج النصوص التنظيمية المتعلقة بالإطار القانوني المعروف بـ القانون 30.09 للتربية البدنية والرياضية.[12]

مقال قد يهمك :   نادية احديدو : خصوصية الإثبات في المنازعات الإدارية-دراسة مقارنة

خاتمة:

تعتبر الرياضة في المغرب حتى الآن لا تحظى بالمكانة الجديرة بها ضمن السياسة التنموية للبلاد، حيث لم يتم تنفيذها بشكل كامل في شكل سياسة عمومية فعالة. ومن هذا المنطلق، يجب أن نسعى لتطوير استراتيجية وطنية للرياضة وتحويلها إلى سياسة عمومية، تتم معالجتها في إطار قانون إطار وإعطاء الأولوية للرياضة المدرسية والجامعية. يجب أيضا تنسيق القوانين الإطارية والتنظيمية، بما في ذلك القانون رقم 09-30، مع مبادئ الدستور واستشارة جميع الفاعلين ذوي الصلة، لضمان إصدار جميع المراسيم التطبيقية ذات الصلة التي تتوافق مع الأهداف المحددة.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية الرياضية على المستوى الوطني، يجب على الجهات المعنية أن تعمل معا لتبني مخطط وطني خاص بها، مع الاهتمام بضمان تلبية هذه البنى للمعايير الدولية وتأخذ في الاعتبار التأثيرات البيئية وقابلية الوصول إليها والعائد على المدى المتوسط والبعيد. سيساهم ذلك في تعزيز جهود تطوير اقتصاد الرياضة من خلال دراسات وطنية وإقليمية للاستفادة من الفرص المتاحة وتوجيه الاستثمارات العامة والخاصة وتطوير الأنظمة اللازمة لتعزيز اقتصاد الرياضة. ينبغي أيضا التركيز على تعزيز عمل الجامعات الرياضية والهيئات الإقليمية والجمعيات الرياضية، ومواصلة الجهود لتعزيز الحوكمة ووضع قواعد ومعايير موضوعية لمنح الإعانات، مع إنشاء برنامج للمواكبة والدعم المالي والتقني لتمكين الجامعات الرياضية والهيئات الإقليمية والجمعيات الرياضية من الامتثال للمعايير الوطنية والدولية في إطار زمني معقول وتحسين أدائها.

ولا ينبغي أن ننسى أهمية تعزيز وتطوير رياضة الفئات المستهدفة مثل النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن. يجب أن نطرح تساؤلات حول الوساطة الرياضية والتحكيم والقضاء الرياضي المتخصص ومدى استيعاب المغرب لالتزاماته الدولية في هذا الصدد.

ومن الضروري كذلك رفع الوعي حول أن الرياضة تلعب دورا حيويا في التنمية الشاملة للمجتمع، وبالتالي ينبغي تعزيز دور السياسة الرياضية كجزء أساسي من السياسة التنموية للبلاد. يجب أن يتم توفير الدعم والموارد اللازمة لتنفيذ الإصلاحات وتعزيز البنية التحتية الرياضية، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الرياضة ومكافحة الفساد.

من خلال تبني استراتيجية وطنية قوية للرياضة، وتوفير التمويل الكافي وتعزيز القوانين والتشريعات المؤطرة للرياضة، يمكن للمغرب أن يحقق تقدما كبيرا في تطوير الرياضة واستثمار إمكاناتها الكبيرة في تحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع. دون أن نغفل عن تعزيز وتطوير رياضة الفئوية من نساء وأطفال والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، مع التأكيد على طرح تساؤلات لاستمرارية البحث العلمي في هذا المجال من قبيل: ما هي آليات المحدثة لضمان الوساطة الرياضية والتحكيم الرياضي والقضاء الرياضي المتخصص؟ وإلى أي مدى استطاع المغرب التماهي والتزاماته الدولية في هذا المجال؟


الهوامش:

[1] أمين أنور الخولي، الرياضة والمجتمع، عالم المعرفة، ديسمبر 1996، ص 5.

[2] عدنان أحمد ولي العزاوي، النظام القانوني للقضاء الرياضي الدولي، الطبعة الأولى، مركز البحوث والدراسات الفقهية والتشريعية والقضائية، دائرة القضاء، أبو ظبي، 2013، ص 5.

[3] أمين أنور الخولي، الرياضة والمجتمع، مرجع سابق، ص 34.

[4] قانون التربية البدنية الفرنسي، مأخوذ من ملف PDF:

Loi du 4 avril 1984 portant création d’une Ecole nationale de l’éducation physique et des sports. – Journal Officiel de 18/04/1984 – A-N*32 pages 412.

http://data.legilux.public.lu/file/eli-etat-leg-memorial-1984-32-fr-pdf.pdf

[5] ظهير شريف رقم 1.88.172 بتنفيذ القانون رقم 06.87 والمتعلق بالتربية البدنية والرياضة تم نشره بالجريدة الرسمية عدد 4003 بتاريخ 1989/07/19، ص 803.

[6] منصف اليازغي، قانون الرياضة ، سلسلة قوانين الرياضة، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2012، ص 87.

[7] الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 30 يوليوز 2011 – ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 29 يوليوز القاضي بتنفيذ نص الدستور.

[8] الفصل 26 من الدستور.

[9] الفصل 31 من الدستور.

[10] الفصل 33 من الدستور.

[11] الفصل 170 من الدستور.

[12] الجريدة الرسمية عدد 5885 الصادر بتاريخ 2010/10/25 بشأن القانون رقم 29-09-20 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1500-10-21 صادر في 24 غشت 2010 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)