سلطات الضبط وإرساء التوازنات الاقتصادية: بأي معنى؟

التكييف القانوني لحالة الطوارئ الصحية

قراءة في الفصل 122 من الدستور (التعويض عن الخطأ القضائي)

28 يونيو 2020 - 1:46 م المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-

العزوزي جمال باحث في العلوم القانونية 

جاء في نص الفصل 122 من الدستور المغربي 2011 “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة “،[1]ويثير هذا الفصل واحدة من أهم و أقدم الإشكاليات المطروحة في القضاء الإداري و التي حظيت بنصيب وافر من الدراسة و البحث من قبل الفقهاء و الباحثين وهي إشكالية مدى  مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية.

فمن المعروف أن المبدأ السائد لوقت طويل  في أدبيات القانون العام هو عدم مسؤولية الدولة عن الأعمال و الأخطاء القضائية وذلك استنادا على مجموعة من الحجج و المبررات ،أهمها مبدأ استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، فأعمال السلطة القضائية التي تعتبر أعمالا قضائية  بطبيعتها لها طرق محددة للطعن فيها بموجب التشريع، بحيث ينظم القانون طرق الطعن في الأحكام و المقررات القضائية  كالاستئناف و التعرض و النقض، ويقيدها بآجال يجب احترامها لإمكانية الطعن،و هي تختلف عن الأعمال الإدارية التي تمتد إليها رقابة القاضي الإداري.

كما تستند قاعدة عدم مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية على مبدأ حجية الأحكام وقوة الشيء المقضي به، فالأحكام القضائية يجب أن تظل عنوانا للحقيقة ولا يعتريها الشك،إذ من شأن مد رقابة القاضي الإداري على هذه الأحكام أن ينال من حجيتها وقوتها الثبوتية ، لكن يجدر التنبيه إلى أن السلطة القضائية  لا تصدر عنها أعمال ذات طبيعة قضائية في جميع الأحوال، فقد تقوم أحيانا بأعمال ذات طبيعة خاصة تصنف كأعمال إدارية، و تدخل  بذلك في نطاق الأعمال التي يختص بمراقبتها القاضي الإداري، كما أن بعض الأعمال والتي تصنف أعمال قضائية بامتياز لا تتميز بخاصية حجية الشيء المقضي به  التي تتضمنها الأحكام و المقررات القضائية،من قبيل الأعمال السابقة لصدور الحكم كأعمال البحث و التحقيق الذي تقوم به النيابة العامة في إطار التحقيق الإعدادي و الأبحاث التي تقوم بها الضابطة القضائية للتثبت من وقوع جريمة معينة في إطار البحث التمهيدي.

إذن يظهر أن الحجج التي يمكن الاعتماد عليها لإعفاء الأعمال القضائية من إثارة مسؤولية الدولة يمكن مناقشتها، كما أن تطور قواعد المسؤولية الإدارية بشكل متزايد لا يمكننا من الجزم بالقول بأن الأعمال القضائية ستبقى بمنأى عن تدخل القاضي الإداري، خصوصا مع التطور الذي عرفته نظرية المخاطر مع ازدياد القيمة القانونية لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.

ولقد اعترف المشرع المغربي بمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية قبل دستور 2011 لكن وفق نصوص خاصة ،و الأمر يتعلق بمسطرة مراجعة الأحكام القضائية المنظمة بمقتضى المادة 573 من قانون المسطرة الجنائية، [2] و مسطرة مخاصمة القضاة المنظمة بمقتضى الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية ،[3] إذ كان لا يمكن  إثارة مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية خارج هاذين النصين، وهذا يدفعنا للتساؤل عن مدى الإضافة التي يمكن أن يقدمها المقتضى الدستوري ل 2011 ،فهل توخى المشرع المغربي من خلال الفصل 122 من دستور 2011 توسيع نطاق المسؤولية الإدارية عن الأعمال القضائية لفتح المجال لإمكانية تطبيقها خارج النصين المذكورين ؟ و هل سيتم تطبيق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية التزاما بحرفية النص الدستوري أي بالاعتماد على وجود الخطأ كعنصر أساسي لإثارة مسؤولية الدولة ،أم أن القاضي الإداري سيعمد لتطبيق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية حتى خارج حالات الخطأ أي بالاكتفاء بوجود عنصري الضرر و العلاقة السببية اعتمادا على نظرية المخاطر؟

لمحاولة طرح بعض الأفكار حول الموضوع سيتم التطرق في{ مبحث أول} لمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية وفق نصوص خاصة،كما أقرها المشرع المغربي سابقا قبل دستور 2011 ، لمحاولة الوقوف على سبب اعتراف المشرع  بهذه  المسؤولية  و كذا معرفة  الأساس الذي بنيت  عليه ،على أن  يتم  في

{ مبحث ثاني} العمل على محاولة استنتاج ما الذي يمكن أن يضيفه المقتضى الدستوري ل 2011 لإشكالية مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية ؟

 المبحث الأول : مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية وفق نصوص خاصة

يجدر التذكير أن جل التشريعات قد اتفقت قديما على عدم إمكانية مسائلة الدولة عن النشاط القضائي استنادا على مجموعة من الحجج  التي عرضنا بعضها سابقا،لكن جل هذه التشريعات بما فيها التشريع الفرنسي و التشريع المغربي و المصري قد اعترفت بإمكانية إثارة مسؤولية الدولة على الأعمال القضائية وفق نصوص خاصة، و هي مسطرة مراجعة الأحكام القضائية و مسطرة مخاصمة القضاة.

المطلب الأول : مسؤولية الدولة في حالة مراجعة الأحكام القضائية

  يمكن أن تترتب مسؤولية الدولة عند إصدار حكم بالبراءة على من سبقت إدانته بحكم نهائي وجاء هذا الحكم بالبراءة بناء على مراجعة الحكم الأول بعد التماس إعادة النظر فيه، وهذا ما ينص عليه الفصل 573 من قانون المسطرة الجنائية.

  وينظم التماس إعادة النظر في حكم جنائي والمعروف بالمراجعة بمقتضى الفصول 563 إلى 574 من قانون المسطرة الجنائية.

  ويفتح باب المراجعة لتدارك خطأ واقعي تضرر منه شخص حكم عليه من أجل جناية أو جنحة (الفصل 565) ولا تقبل المراجعة إلا عند تعذر أي طريقة أخرى من وسائل الطعن (الفصل 565)[4].

  ويمكن تقديم طلب المراجعة في أربع حالات نص عليها الفصل 566 وهي:

  أ- إذا صدرت عقوبة في دعوى القتل وأدلي بعد ذلك بمستندات أو حجج ينجم عنها قيام قرائن أو علامات كافية تدل على وجود المجني عليه المزعوم قتله.

  ب- إذا صدرت عقوبة وصدر بعد ذلك حكم ثاني يعاقب متهما آخر، أو شخصا متابعا من أجل نفس الفعل، بحيث لا يمكن التوفيق بين الحكمين، أو يتبين من تضاربهما قيام الحجة على براءة أحد المحكوم عليهما.

  ج- إذا جرت بعد صدور الحكم بالإدانة متابعة أحد الشهود الذي سبق الاستماع إليه، وحكم عليه من أجل الشهادة بالزور ضد المتهم أو الشخص المتابع، ولا يمكن أثناء المناقشات الجديدة الاستماع إلى الشاهد المحكوم عليه بهذه الصفة.

مقال قد يهمك :   ممارسة السلطة التنفيذية لمهام التشريع في النظام الدستوري المغربي.

  د- إذا طرأ بعد صدور الحكم بالإدانة أو اكتشف أمر أو وقع الاستدلال بمستندات كانت مجهولة أثناء المناقشات ومن شأنها أن تثبت براءة المحكوم عليه.

ويتبين من كل هذا بوضوح مسؤولية الدولة بنص قانوني صريح ومفصل عن الأضرار الحاصلة من بعض أوجه النشاط القضائي وهو مراجعة الأحكام القضائية.

و بالرجوع للأسباب الأربعة التي عددها الفصل 566 المتعلقة بشروط مسطرة المراجعة[5] يتضح أن الضرر الواقع على المتضرر في أغلبه لا ينسب إلى خطأ السلطة القضائية بل يعود في أغلب الحالات لسبب أجنبي خارجي، ومن ثم يصعب  ترتيب مسؤولية الدولة بناء على خطأ ارتكبته السلطة القضائية، بل تنبني المسؤولية هنا بدون خطأ على أساس نظرية المخاطر التي تحيط بعمل بعض مرافق الدولة  كمرفق القضاء و مرفق الأمن الوطني، إذ ليس مبررا تحمل شخص واحد لا ذنب له لهذه المخاطر وهو الشخص الذي وقع عليه الضرر،بل تتحمله الجماعة ككل، وبما أن الدولة هي الممثلة للجماعة فبالتالي تتحمل هي التعويض عن هذا الضرر وهذا ما يسمى بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة.

  ومن تطبيقات القضاء الإداري المغربي لنظرية المخاطر كأساس لمسؤولية الدولة عن أعمال القضاء المتعلقة بمسطرة المراجعة نجد الحكم عدد 865 بتاريخ 15/11/2006 صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء،[6] بناء على المقال الافتتاحي للدعوى الذي تقدم به المدعي إلى كتابة الضبط بتاريخ 3/2/2006، يعرض فيه المتضرر أنه كان ضحية خطأ قضائي فادح حينما صدر عليه قرار غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بالجديدة بالسجن المؤبد عن جريمة قتل وتم إيداعه بالسجن الذي قضى قرابة عشر سنوات، وأن القرار الذي أدانه كان خطأ في ملف 57/93 تم إلغائه بعد ظهور الجاني الحقيقي الذي أدين بمقتضى قرار مبرر بالإدانة، وذلك بواسطة مسطرة المراجعة التي آلت إلى صدور القرار 935/1 بتاريخ 6/7/2005 عن المجلس الأعلى في الملف الجنائي 5962/2005 وأوضح العارض بأن الخطأ الفادح المتمثل في إدانته وإصدار الحكم عليه بالسجن المؤبد واعتقاله كان عبارة عن كارثة دمرت حياته وحياة زوجته وأولاده.

  وقد ذهبت المحكمة إلى أن الدولة تكون مسؤولة عن أعمال السلطة القضائية المترتبة عن مسطرة المراجعة، وأن ظهور واقعة أو مستندات جديدة بعد الحكم النهائي بالإدانة لم تكن معروفة من قبل وتثبت براءة المحكوم عليه ترتب الحق في الحصول على تعويض تتحمله الدولة، وأساس التعويض هنا ليس الخطأ بل المخاطر ولا يلزم طالب التعويض بإثبات كون صدور الحكم الملغى يرجع إلى خطأ القضاء.

المطلب الثاني :مسؤولية الدولة في حالة مخاصمة القضاة

يمكن أن تنعقد مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية عن طريق مخاصمة القضاة ويتم هنا إثارة مسؤولية القاضي الشخصية،ولقد حدد قانون المسطرة المدنية المغربي حالات المخاصمة في المواد من 391 إلى 401 و تتلخص في ثلاث حالات هي:

  • إذا ادعى ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من طرف قاضي الحكم أثناء تهيئ القضية أو الحكم فيها من طرف قاضي من النيابة العامة أثناء قيامه بمهامه.
  • إذا قضى نص تشريعي بجوازها.
  • إذا قضى نص تشريعي بمسؤولية القضاة يستحق عنها التعويض.
  • عند وجود إنكار العدالة.

وقد نص الفصل 392 على أنه يعتبر القاضي  منكرا للعدالة إذا رفض البث في المقالات أو أهمل إصدار الأحكام في القضايا الجاهزة بعد حلول دور تعيينها في الجلسة.[7]

ويقصد بالغش أو التدليس انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون عن قصد منه وذلك إما بهدف تحقيق مصلحة لأحد الخصوم أو نكاية في خصم أو تحقيقا لمصلحة خاصة للقاضي،ويقصد بالغدر هو انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون لتحقيق منفعة مالية لنفسه أو لغيره .

ويقصد بإنكار العدالة رفض القاضي الفصل في دعوى أو تأخره في الفصل فيها رغم جاهزيتها .

والمسؤولية المحددة في هنا هي مسؤولية عن أخطاء جسيمة حددتها  الفصول من 391 إلى 401 من قانون المسطرة المدنية،ومن المهم الإشارة أن  القاضي الإداري قد تعامل بشكل خاص مع بعض مرافق الدولة نظرا لصعوبة ظروف عملها و طبيعة الأعباء و المسؤوليات التي تتحملها، بحيث يشترط القضاء الإداري ضرورة وقوع الخطأ الجسيم من طرف موظفيها لإمكانية إثارة مسؤولية الدولة عن أعمالها كما هو الشأن بالنسبة لمرفق الشرطة ومرفق الصحة.

كما أن الدولة في حالة المسؤولية عن أخطاء القضاة،لا يمكن مساءلتها مباشرة ،بل لابد من مخاصمة القاضي أولا فإذا ما حكم عليه بالتعويض كانت الدولة مسؤولة بالتبعية، و ذلك حتى لا يفاجئ المتضرر بإعسار القاضي في نهاية الأمر،[8] وقد خول المشرع المغربي للدولة حق الرجوع على القاضي أو عضو النيابة العامة بما دفعته،لأنها مسئولة عنه لا مسئولة معه.

وبقراءة هاتين الحالتين اللتين أقر المشرع من خلالهما مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية،أي مسطرة المراجعة من خلال قانون المسطرة الجنائية و حالة مخاصمة القضاة من خلال قانون المسطرة المدنية، نجد أن المشرع في الحالة الأولى أي مسطرة المراجعة قد استند في بناء مسؤولية الدولة على غياب عنصر الخطأ من طرف المتضرر وكذلك من طرف مرفق العدالة، و بالتالي جعل المتضرر يستفيد من تعويض عن الضرر الذي لحق به دون إثارة مسؤولية الدولة بناءا على خطأ مرفق القضاء، ولكن بإثارة مسؤولية الدولة بدون خطأ بناء على نظرية المخاطر، وفي الحالة الثانية أي حالة مخاصمة القضاة فقد استند المشرع على إثارة المسؤولية الشخصية للقاضي من خلال تحديد مجموعة من الأخطاء التي تصل جسامتها لحد انعقاد مسؤولية الدولة بشكل تبعي بعد انعقاد مسؤولية القاضي الشخصية.

وبالرجوع للفصل 122 من دستور 2011 ” يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ” فالأكيد أن المشرع يتوخى من خلال هذا الفصل توسيع نطاق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية بجعلها تتجاوز حدود مسطرة المراجعة و مخاصمة القضاة وبفتح إمكانية إثارة هذه المسؤولية عن كل ما يمكن أن يعتبر خطئا قضائيا.

مقال قد يهمك :   إقفال الحساب البنكي بين النص القانوني والاجتهاد القضائي والممارسة

المبحث الثاني : توسيع مجال مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية من خلال الفصل 122 من دستور 2011

تتحصن  الأعمال القضائية  وراء مبدأ أساسي يخص الأحكام القضائية بالخصوص، وهو مبدأ حجية الشيئ المقضي به والذي يقتضي بأن يظل الحكم القضائي عنوانا للحقيقة لا يمكن التشكيك أو الطعن فيه إلى بمقتضى طرق محددة من طرف المشرع و مقيدة بآجال يجب احترامها، لكن بعض الأعمال القضائية ورغم كونها تكتسي الصبغة القضائية بطبيعتها فإنها لا تتمتع بحجية الشيئ المقضي به كما هو الشأن بالنسبة لأعمال النيابة العامة المتعلقة بالبحث و التحقيق ،لذلك فإن العمل على توسيع مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية الذي عنونا به هذا المبحث يجب أن ينطلق من هذه الأعمال التي لا تتحصن بمبدأ حجية الشيئ المقضي به، فإذا اعتبرنا أن هذا المبدأ الأخير هو من الأسباب الأساسية التي تحول دون تطبيق مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية حسب رأي الرافضين لهذا النوع من المسؤولية فإنه من الأولى أن يتم تمديد هذه المسؤولية بداية إلى الأعمال التي لا تتحصن وراء هذا المبدأ، وقد تنبه المشرع الفرنسي لذلك وأقر مسؤولية الدولة عن أعمال النيابة العامة من خلال مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي مبكرا من خلال قانون 8 يونيو 1895.

المطلب الأول : مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي

  عند الحكم  بإدانة شخص ما لثبوت ارتكابه لإحدى الجرائم المعاقب عليها فإن فترة الاعتقال الاحتياطي التي قضاها كمتهم يتم خصمها من مدة عقوبته الحبسية وهذا الخصم هو بمثابة تعويض عن المدة التي قضاها مسلوب الحرية تحت طائلة الاعتقال الاحتياطي بدون صدور حكم قضائي يثبت إدانته.

  هذا بالنسبة للشخص المدان الذي ثبت ارتكابه لجريمة معينة، فما هو الوضع بالنسبة للشخص المتهم بارتكاب جريمة ويحبس احتياطيا ثم تثبت بعد ذلك براءته من الاتهام المسند إليه أو يصدر أمر بألا وجه لإقامة الدعوى ضده، فما مصير المدة التي قضاها هذا الشخص مسلوب الحرية، وهو في الأساس بريء ولم يرتكب الجرم الذي اتهم بخصوصه، أليس من الأولى أن يعامل على الأقل كما يعامل الشخص المحكوم عليه ويعوض عن هذه الفترة التي قضاها في الحبس الاحتياطي، [9] و البريء يعتبر أحق من المدان بالتعويض عن الفترة التي قضاها في الحبس الاحتياطي، بحيث يسبب هذا الحبس غالبا أضرارا فادحة نفسية و معنوية تمس المتهم في شخصه و سمعته وعلاقاته الاجتماعية والعائلية وقد تحرمه من مصادر رزقه.

  وقد كان القضاء الفرنسي يرفض حتى سنة 1895 تقرير مسؤولية الدولة عن أضرار الحبس الاحتياطي نتيجة الأخطاء الصادرة عن السلطة القضائية، حتى صدور قانون 8 يونيو 1895 الذي أعطى للأفراد الذي يحكم ببراءتهم بعد حبسهم احتياطيا الحق في الحصول على التعويض عن الأضرار التي لحقت بهم، وكان أساس التعويض ينبني على نظرية المخاطر دون اشتراط وقوع خطأ منسوب للسلطة القضائية و تحميل المتضرر مشقة إثبات وقوع هذا الخطأ.

  وفي 15 أكتوبر 1969 أصدرت محكمة باريس حكما أقرت فيه مبدأ التعويض عن أضرار الحبس الاحتياطي وإن كانت لم تحكم بالتعويض للمدعي، وأيد هذا المبدأ حكم محكمة باريس في 9 مارس 1970 وحكمها الصادر 13 يوليوز سنة 1970 .

  ومع أن القضاء الفرنسي أقر مبدأ التعويض إلا أنه كان مترددا في تقرير التعويض للمتضرر لأنه كان يطبق أحكام القانون المدني التي تتطلب وجود عنصر الخطأ، ومع كثرة المناداة لتقرير هذا المبدأ فقد اعتنق المشرع الفرنسي هذه الفكرة في القانون الصادر 17 يوليو 1970 الذي قرر فيه بشكل صريح إمكانية التعويض عن الحبس الاحتياطي، إذا انتهت سلطة التحقيق إلى أنه لا وجه لإقامة الدعوى ضد المتهم أو قضت المحكمة ببراءته، بشرط أن يترتب عن هذا الحبس ضرر غير عادي وجسيم، ولم يتطلب المشرع الفرنسي ارتباطا خطأ القاضي لتقرير المسؤولية بل اكتفى بأن يكون الضرر استثنائيا.

  ولإمكانية تقرير مسؤولية الدولة فقد تطلب المشرع الفرنسي توافر ثلاثة شروط يجب على طالب التعويض استيفاؤها وهي:

  أولا: أن يتم الحبس الاحتياطي في إطار القواعد التي ينص عليها قانون الإجراءات الفرنسي.

  ثانيا: أن يكون الإفراج قد تم نتيجة صدور أمر بأن لا وجه إقامة الدعوى أو لبراءة المتهم.

  ثالثا: أن يكون الضرر الذي أصاب المحبوس احتياطيا استثنائيا بالغ الجسامة.

  ويتضح من خلال الشروط الثلاثة وخاصة الشرط الأخير أن المشرع الفرنسي جعل أساس التعويض قائما على فكرة المخاطر وليس الخطأ.

  وبالرجوع لأصل مبدأ التعويض عن الاعتقال الاحتياطي نجد أن هذا المبدأ قد أكدت عليه المواثيق والمعاهدات الدولية، إذ نصت المادة 9/5 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بأنه لكل شخص كان ضحية توقيف، أو اعتقال غير مبرر الحق في الحصول على تعويض.

و بالرجوع للتشريع المغربي فإنه من شأن المقتضى الدستوري المتمثل في الفصل 122 من دستور 2011 تسهيل الاعتراف بمسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي،خصوصا وأن هذا التدبير يندرج ضمن الأعمال القضائية غير المحصنة بمبدأ حجية الشيئ المقضي به كما قلنا سابقا،أو كما يسميها الفقه المصري الأعمال القضائية لكن ليس بالمعنى الدقيق، الأمر الذي من شأنه أن يمكن من ترشيد مسطرة اتخاذ هذا التدبير السالب للحرية من طرف النيابة العامة و قضاة التحقيق، فالواقع المغربي يشهد أن أكثر من 40 في المئة من القابعين في السجون المغربية هم معتقلون احتياطيا، مما يساهم بشكل كبير في  تفاقم مشكل الاكتظاظ الذي تعانيه السجون في المغرب.

وكما ذكرنا من قبل فإن القضاء الفرنسي لم يكتف بالخطأ  كسبب وحيد في ترتيب مسؤولية الدولة عن الاعتقال التعسفي و إنما استند كذلك على نظرية المخاطر فعلى أي أساس يمكن أن يستند القاضي الإداري المغربي في بناء مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل المقتضى الدستوري ل 2011 ؟

المطلب الثاني : أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل الفصل 122 من دستور 2011

بالرجوع لمضمون  الفصل 122 من دستور 2011 ” يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة ” نجد نص الفصل يتحدث عن الخطأ القضائي و ليس العمل القضائي،إذ يربط الفصل المذكور قيام مسؤولية الدولة بتحقق الخطأ في العمل القضائي كشرط أساسي لانعقاد مسؤولية الدولة،ولو أن المشرع استخدم عبارة العمل عوض الخطأ لأمكننا استنتاج أن مسؤولية الدولة يمكن أن تنعقد بمجرد وقوع الضرر على الغير دون اشتراط وجود الخطأ كشرط أساسي،هذا إذا تقيدنا بحرفية الفصل 122 من دستور 2011، لكن هل يمكن للمشرع الدستوري أن يصل إلى الحد الذي يفرض على القاضي الإداري الالتزام  بأساس معين في بناء مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية، {حتى لا أقول الأخطاء القضائية } أي ضرورة توفر الخطأ كشرط أساسي لا محيد عنه لانعقاد مسؤولية الدولة عن العمل القضائي واستبعاد أي أساس يمكن أن يعوضه {أي الخطأ} كما هو الشأن بالنسبة لنظرية المخاطر.

مقال قد يهمك :   بعض المداخل لتحسين أداء الفاعلين في منظومة العدالة

إن النقاش حول أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل دستور 2011 يعيدنا إلى نقاش قديم يمكن القياس عليه لمحاولة تعميق النقاش أكثر في هذه الإشكالية وهو النقاش الذي ظهر بين الفقهاء إبان طرح الفصل 79 من الظهير المتعلق بالالتزامات و العقود المؤرخ في 12 غشت 1913، إذ جاء في هذا الفصل ” الدولة و البلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها، وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها “

ويكمن هذا النقاش، في أن نص هذا الفصل يحتمل تأويلين فيما يتعلق بمرتكز أو أساس المسؤولية الإدارية.

فالرأي الأول،والذي كان سائدا في البداية يعتبر أن المسؤولية الإدارية بالمغرب هي تبعا لإرادة المشرع مسؤولية موضوعية ليس من الضروري أن تنبني على الخطأ.

أما الرأي الثاني،وقد جاء به الفقيه دولوبادير[10]  يؤكد أن نص الفصل 79 يحتمل تأويلين اثنين :المسؤولية الموضوعية بدون خطأ،و المسؤولية المبنية على الخطأ.

ويذهب الفقيه إلى أن المشرع ترك للقاضي الحرية من خلال ظروف النازلة والمعطيات المتوفرة لديه ،وبناء المسؤولية الإدارية حسب الحالات إما بناء على الخطأ و إما بناء على المخاطر،صحيح أن نص الفصل 122 من دستور 2011 يبدو أكثر وضوحا من الفصل 79 من ظهير الالتزامات و العقود في تحديده لأساس المسؤولية،حيث يبدو الفصل 122 واضحا في اشتراطه لعنصر الخطأ كشرط أساسي في تحديد مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية، مقارنة بالفصل 79 الذي يحتمل التأويلين السابقين اللذين تطرقنا لهما،إلى أن التبرير الذي اعتمد عليه الفقيه دولوبادير يمكن الاستناد عليه في إعطاء الخيار للقاضي الإداري لتحديد أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية في ظل الفصل 122 من دستور 2011، حيث يذهب الفقيه إلى أن تطبيق قواعد المسؤولية الإدارية يرجع إلى القضاء،وبالتالي فإن تحديد أساس المسؤولية الإدارية يرجع إليه، بدون أن يتدخل المشرع لينزع هذا الاختصاص المكتسب من القضاء أصلا، فقواعد المسؤولية الإدارية هي من خلق القاضي الإداري لذلك لا يمكن أن يتدخل المشرع لتقنين تلك القواعد، كما نضيف لهذا التبرير ما ذكرناه سابقا أن القاضي الإداري الفرنسي في إقراره لمسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي ،و هو عمل قضائي يصدر عن النيابة العامة كهيئة قضائية لم يكتف بالخطأ كأساس لا غنى عنه لبناء مسؤولية الدولة ولكن اعتمد نظرية المخاطر كذلك كأساس لمسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي.

لذلك فالقاضي الإداري و انسجاما مع دوره واجتهاداته التي طالما أنشأت قواعد قانونية صلبة، وانسجاما مع جرأته المعهودة وانطلاقا من فلسفته الهادفة لصيانة حقوق الأفراد وحرياتهم، خاصة ونحن عندما نتحدث عن المنازعات الإدارية نكون دائما بصدد خصمين غير متكافئين في القوة و الإمكانيات، وهما الإدارة و الأفراد، لذلك فانطلاقا من كل ذلك فإن اعتماد القاضي الإداري على نظرية المخاطر في بناء مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية سيشكل استمرارية لنهجه و فلسفته.

فنظرية المخاطر تبقى بمثابة صمام الأمان الذي يحمي المتضرر عند استحالة إسناد الخطأ للإدارة.


المراجع :

-محمد عبد الله محمد المر: “الحبس الاحتياطي دراسة مقارنة”، طبعة 2006، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية،

– سليمان محمد الطماوي: القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، طبعة 1968، دار الفكر العربي.

  – عبد القادر باينة: تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب، طبعة 1988، دار تبقال للنشر الدار البيضاء.

– حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، بتاريخ 15/11/2006، عدد 865، العمل القضائي في المنازعات الإدارية، الجزء الثاني سنة 2009، منشورات مجلة الحقوق المغربية، ص. 65.


الهوامش:

[1] – الفصل122 من دستور المملكة المغربية 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011.

[2] – المادة 573  من قانون المسطرة الجنائية المغربي، 01-22، المتمم بالقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وكذا القانون 11-35.

[3] – الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية

[4] – الفصل 565 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، 01-22، المتمم بالقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وكذا القانون 11-35.

[5] – الفصل 566 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، 01-22، المتمم بالقانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وكذا القانون 11-35.

[6] – حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، بتاريخ 15/11/2006، عدد 865، العمل القضائي في المنازعات الإدارية، الجزء الثاني سنة 2009، منشورات مجلة الحقوق المغربية، ص. 65.

7- الفصل 392 من قانون المسطرة المدنية

[8] – سليمان محمد الطماوي: القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، طبعة 1968، دار الفكر    العربي، ص:69

[9] – محمد عبد الله محمد المر: “الحبس الاحتياطي دراسة مقارنة”، طبعة 2006، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية،       ص. 396.

[10] – عبد القادر باينة: تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب، طبعة 1988، دار تبقال للنشر الدار البيضاء ص:139.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)