ثروة الجامعات العربية.. في زمن التحديات

أثر الطلاق على نظام الاشتراك في الملكية بين الزوجين : قراءة في القانون التونسي نموذجا

مجرد رأي على هامش قانون التنظيم القضائي الجديد

11 فبراير 2019 - 9:30 ص المنبر القانوني , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-
  • محمد مهنا عضو نادي قضاة المغرب.

 كان التحكيم أساس الفض في المنازعات ما بين الشعوب والمجتمعات القبلية، وكان المحكم يلتمس الحل في العرف أو العادة، قبل أن نعرف ما يسمى بمجلس الحل و العقد  الذي أصبح ملاذ المتخاصمين ، و كانت مبادئ العادلة والتقوى أساس القضاء بعد مجيئ الإسلام  .

 وبعد ظهور الدولة أصبح التحكيم إجباريا، ثم بدأ التطور يسير اتجاه قيام الدولة بمهمة الفصل في المنازعات من خلال قضاة يعهد إليهم تمثيل الدولة من خلال إحدى سلطاتها و هي السلطة القضائية .

و كان القضاء في المغرب شرعيا يستند الى الراجح والمشهور وما  جرى به العمل من فقه مالك. وعرف الوضع القضائي أثناء الحماية تعدد أنواع المحاكم – المحاكم الشرعية، المحاكم الإسرائيلية، المحاكم العرفية والمحاكم الفرنسية – وبعد حصول المغرب على الاستقلال أدخلت عدة تعديلا على التنظيم القضائي مسايرة للتطور الذي عرفه البلد وأصبحنا نتحدث عن وحدة القضاء بموجب ظهير 1974 الذي قام على مجموعة من المبادئ  وشهد العديد من محطات التعديل الى أن وصلنا الى القانون 15-38 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي جاء في سياق إعادة تنظيم مشهد العدالة ببلادنا بعد تحقيق الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية ونقل رئاسة النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض .

هذا القانون له أهميته وراهنيته، خاصة وأن هذا الأخير قطب رحى عمل المحاكم، لكونه يتناول المبادئ العامة للتنظيم القضائي وتحديده لحقوق وواجبات المتقاضين ولهياكل وقواعد سير المحاكم ، فقد سعت وزارة العدل الى القيام بمراجعة شاملة له، من خلال تجميع النصوص القانونية المتفرقة في قوانين مستقلة كقانون قضاء القرب، وقانوني المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية، وبعض المقتضيات المنصوص عليها في قانوني المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية، فيما يمكن أن نسميه مدونة مصغرة للقانون القضائي الخاص.

ويعتبر القضاة من بين أهم المخاطبين بأحكام وقواعد قانون التنظيم القضائي و تتقاطع مبادئه مع القانونين المتعلقين بالنظام الأساسي للقضاة و قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ومن هذا المنطلق تطرح إشكالية محورية مفادها : الى أي حد استطاع المشرع احترام مبدأ استقلال القضاء من خلال القواعد الناظمة لعمل الهيئات القضائية ومنظومة تدبير المحاكم وتنظيمها الداخلي؟

لتناول هذه الاشكاليات ارتأينا تقسيم الموضوع الى محورين أساسيين :

  • أولا : مكانة القضاة على ضوء القواعد الناظمة لعمل الهيئات القضائية ومنظومة تدبير المحاكم
  • ثانيا :  الإشكاليات القانونية و العملية المرتبطة بمكانة القضاة على ضوء التنظيم الداخلي للمحاكم

لم يتطرق قانون التنظيم القضائي لوضعية القضاة بصفة مباشرة باعتبار أن لها حقلا خاصا وهو النظام الأساسي للقضاة، لكنه أشار بصفة غير مباشرة لمكانة القضاة من خلال تعرضه لتنظيم المحاكم ومبادئ التنظيم القضائي و قواعد عمل الهيئات القضائية .

أولا : مكانة القضاة على ضوء القواعد الناظمة لعمل الهيئات القضائية ومنظومة تدبير المحاكم

يقوم التنظيم القضائي بالمغرب على غرار القوانين المقارنة على عدة مبادئ أساسية لعل أهمها مبدأ استقلالية القضاء. 

و يقصد بمبدأ استقلالية السلطة القضائية أن تتمتع هذه السلطة بالاستقلال عن الهيئات الدستورية الأخرى والسلط التي نص عليها الدستور، وكذا عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، ويراد بهذا المبدأ أيضا تمتع القضاة كأفراد موكول إليهم أمر البت في الملفات التي تعرض عليهم بنوع من الحياد والاستقلال وعدم التأثر أو الخضوع لأي جهة كيفما كانت .

وأكد قانون التنظيم القضائي من خلال المادة 4 بدوره على هذا المبدأ انسجاما مع الفصل107 من دستور المملكة لسنة 2011 الذي جاء به أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية..”، وقد تم تعزيز هذه الاستقلالية بإعادة تسمية المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتوسيع اختصاصاته واستثناء وزير العدل من رئاسته مما عزز الاستقلال الشخصي للقضاة، و يبقى جلالة الملك الضامن لهذه الاستقلالية .

وقواعد التنظيم القضائي وقبل كل شيء هي ملاذ القاضي الأول والأخير لتدبير مساحة اشتغاله باستقلال تام عن أي سلطة غير قضائية.

وبرجوعنا الى قانون التنظيم القضائي 15-38 في الباب المتعلق بتدبير محاكم أول درجة وثاني درجة  يبدو جليا تصدر الوزارة المكلفة بالعدل الاشراف  الإداري و المالي للمحاكم و لا يرجع للمسؤول القضائي إلا للاستشارة والتنسيق معه، كما لو كان القاضي قاصرا أو عاجزا عن تدبير المحكمة من الناحية الإدارية و المالية و الحال انه لا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي للسلطة القضائية والحالة هذه، اذ و لو كان عمل الكاتب العام تحث إشراف المسؤول القضائي، فالإقرار القانوني له بسلطة القرار يجعله المسير الفعلي للمحكمة ولا تعدو أن تكون تلك الصياغة التشريعة إلا من باب تأثيت النص ورد الاعتبار الأدبي للمسؤولين القضائيين في غياب الجزاء القانوني للإخلال بهذا الإشراف المعترف به بموجب هذا القانون ، اذا علمنا ان عمل كتابة الضبط فضلا على انه اداري يتخلله ما هو قضائي باعتبارها المنفذ لقرارات السلطة القضائية ، مما يضرب في عمق مفهوم استقلالية القرار القضائي و من تم استقلالية السلطة القضائية بصفة عامة إضافة الى كون كثرة المتدخلين في منظومة تدبير المحاكم فنجد المشرع يتحدث عن رئيس المحكمة ، الرئيس الأول ، الوكيل العام ، وكيل الملك ، الكاتب العام و غيرهم مما يجعل الرؤية غير واضحة بخصوص حدود اختصاصات كل متدخل .

و نجد القانون يتحدث في المادة 7 منه على كون المحاكم تمارس اعمالها تحت اشراف مسؤوليها، بما يؤمن انتظام و استمرار الخدمات القضائية و عقد الجلسات …، هذه الصياغة التشريعية حمالة أوجه و يمكن ان تجعلالمسؤول القضائي  يتجاوز صلاحيات الجمعية العامة و يتدخل بذريعة تأمين سير الجلسات و اسمرارية الخدمات القضائية و غيرها بتغيير  قاض بآخر او التدخل في تدبير وضعية الملفات و تواريخ ادراجها   ……

و اشارت المادة 17 من القانون الى ان قضاة النيابة العامة لا يحضرون مداولات قضاة الاحكام ، فهل المقصود هنا قضاة النيابة العامة بمحاكم الموضوع او جميع قضاة النيابة العامة بمن فيهم المحامون العامون لدى محكمة النقض .

و تؤكد المادة 20 من القانونعلى ان القضاة يرتدون البدلة المحددة بقرار للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية اثناء الجلسات فقط ، فهل المقصود هنا الجلسات العلنية و كذا جلسات الأبحاث و الجلسات السرية ، او جلسات الاستنطاق  التي يعقدها نواب وكيل الملك او الوكيل العام  او قضاة التحقيق  ، او جلسات المعاينات التي يضطر فيها القاضي المقرر للخروج لمعاينة عقار في اطار المسطرة القضائية للعقار في طور التحفيظ او معاينة مظاهر الحيازة و الاعتداء عليها  في اطار جنحة انتزاع عقار ………

و مسألة توثيق الرأي المخالف الذي اكدت عليه المادة 16 من القانون و ان كانت في حد ذاتها ثورة تشريعية ، و تنزيلا لمقتضى مقارن – النظام الانجلوسكسوني –  فان وأده  في خزانة رئيس المحكمة يجعل اقراره من عدمه سواء ، و قد يكون هاجس التفتيش القضائي في حالة تقديم شكاية هو حدى بالمشرع الى إقرار هكذا مقتضى .

ثانيا: الإشكاليات القانونية والعملية المرتبطة بمكانة القضاة على ضوء التنظيم الداخلي للمحاكم

من خلال الاطلاع على قانون التنظيم القضائي في بابه المتعلق بالتنظيم الداخلي للمحاكم يظهر جليا احداث مؤسسة مكتب للمحكمة بعضوية كل من المسؤولين القضائيين و نائب الرئيس و اقدم القضاة و اصغرهم سنا و رؤساء القسام و النائب الأول لوكيل الملك و الكاتب العام للمحكمة ، و اصبحت له صلاحية اعداد مشروع عمل المحكمة قبل عرضه على الجمعية العامة   للمصادقة عليه، فاصبحت بذلك الجمعية العامة مجرد آلية للمصادقة على مشروع معد سلفا من قبل مكتب المحكمة .

كما يعد حصر الدعوة لانعقاد الجمعية العامة على المسؤول القضائي و حرمان القضاة من ذلك ضربا لحق القضاة في تدبير وضعيتهم القضائية ، علما ان الواقع العملي ابان انه اذا عاق رئيس المحكمة عائق من الدعوة للجمعية العامة فان نائبه يتولى هذه المهمة .

و لم تلزم المادة 29 من القانون كل مسؤول قضائي و قبل اجتماع مكتب المحكمة باستطلاع آراء القضاة بشأن توزيع القضايا و  تحديد رؤساء الغرف و الأقسام داخل المحكمة  .

و عدم وجود جزاءات لعدم حضور اجتماع الجمعية العامة من طرف القضاة يطرح بدوره اشكال النصاب المقرر بموجب مقتضيات المادة 32 التي اشارت الى كون الجمعية العامة تنعقد بحضور اكثر من نصف أعضائها و في حالة عدم اكتمال النصاب القانوني يؤجل الاجتماع الذي ينعقد في اول أيام العمل ، و في هذه الحالة يعتبر الاجتماع صحيحا بحضور ثلث الأعضاء على الأقل الا ان هذه المادة لم تخبرنا عن الحل القانوني في حالة عدم اكتمال نصاب الثلث .

و يثور التساؤل حول عدم التنصيص على توقيع وكيل الملك على محضر مشروع مكتب المحكمة و محضر الجمعية العمومية الى جانب رئيس المحكمة و الكاتب العام خاصة و انه يتداول مع أعضاء مكتب المحكمة حول توزيع الاختصاصات و تقسيم السلط بين القضاة داخل شعب و اقسام المحكمة .

بقي ان اشير الى أن مسألة استماع المفتشية العامة لوزارة العدل للمسؤولين القضائيين في الاخلالات التي يمكن ان تنسب لموظفي كتابة الضبط فيه مساس باستقلالية السلطة القضائية اذا علمنا ان القانون أشار الى انه اذا كانت ضرورة البحث تقتضي الاستماع الى قاض فتتولى المفتشية العامة للشؤون القضائية هذه المهمة ، فلماذا استثناء المسؤولين القضائيين بمختلف درجات المحاكم من هذا المقتضى ؟

و عليه فان قواعد التنظيم القضائي في الأصل يجب أن ترقى بسلطة القضاء الى ما اريد لها دستوريا بتجاوزها كل ما يمكن أن يمس باستقلاليته و تجرده و هذا ربما ما جعل الحكومة تحيل هذا القانون على المحكمة الدستورية …

مقال قد يهمك :   كل محافظ فهو مجرم بالمآل. بقلم: الأستاذ عمر أزوكار.

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. ليس هناك شيء إسمه المحاكم الاسرائلية!أعتقد أن الكاتب وقع في خطأ مفاهيمي ودلالي؛ أعتقد كان يقصد المحاكم اليهودية. والفرق بين المفهومين كبير. المرجو الانتباه لهذه الاخطاء.

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)