النظام القانوني لتقنية حكم الفيديو المساعد VAR

شيخ الأزهر: ينبغي تدارس فتوى ابن عرضون المغربي حول حق الكدّ والسعاية واعتمادها بمصر

محمد براو: في العلاقة بين الديموقراطية والحكامة والتنمية

30 مايو 2019 - 5:10 ص مقالات , القانون العام , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

الدكتور محمد براو : باحث و خبير دولي في الحكامة والمحاسبة ومكافحة الفساد.

  • الديموقراطية:

في النموذج الديموقراطي المثالي: الشعب صاحب القرار يحكم نفسه بنفسه أي يمارس السلطة بطريقة مباشرة من خلال الديموقراطية المباشرة؛ لكن محك الممارسة الديموقراطية على امتداد الأحقاب والعصور، أفرز ظهور نماذج جديدة وطرائق مستحدثة، بعضها مندمج: بدءا بالطريقة شبه المباشرة من خلال الديموقراطية نصف المباشرة؛ ومرورا بالطريقة غير المباشرة من خلال الديموقراطية التمثيلية؛ وانتهاء بالطريقة التشاورية من خلال الديموقراطية التشاركية.

في الحالة الأخيرة الشعب ليس صاحب القرار بل يكتفي بالمشاركة في عملية اتخاذ القرار وقد تكون المشاركة استشارية كما قد تكون أحيانا تقريرية. فإذا كانت الانتخابات تعطي الفرصة لمحاسبة المسؤولين الفاسدين أو المقصرين، فإن هناك ميكانزمات أخرى لا تنفصل عن الممارسات الديموقراطية، تفتح المجال لمشاركة المواطنين في مسلسل اتخاذ القرارات ذات الصلة بإعداد وتنفيذ السياسات العمومية ومراقبتها وتقييمها بواسطة طرق غير الطرق الانتخابية كالجمعيات والحركات التعبوية وأنشطة المرافعة والعرائض وغيرها. وبالنتيجة، يستفيد المسؤولون الحكوميون من حيث ترسيخ الشرعية، ذلك أن مفهوم الشرعية بالمعنى السوسيو-سياسي والفلسفي العميق ليس سوى مرادف للانخراط الإيجابي للمجتمع في شؤون الحكم وإدارة الشأن العام والرضا الطوعي بأسلوب هذه الإدارة.

ومن هنا نفهم مصطلح التفويض الديموقراطي أو التفويض الشعبي أي الحكم باسم الشعب ومن أجله. لكن إدارة الشأن العام، تحيل على البعد التدبيري للحكم أي ما يسمى إدارة الحكم: والوصف الآخر لإدارة الحكم هو “الحكامة”.

  • الحكامة:

ما الحكامة؟ الحكامة وسيلة وليست غاية: هي عبارة عن مسار أو مسلسل Process من خلاله تمارس السلطة بدون تحديد معلن للأهداف المنشودة، أي أن الحكامة منهاج وأسلوب “حياديان”؛ هي تقنية في التنسيق والتنظيم والحوار والتشاور ثم في صنع القرار واتخاذه؛ وليست غاية بحد ذاتها، ينصرف موضوعها إلى الطرق والآليات وليس إلى الأهداف والغايات. وإذا كانت الحكامة كذلك فإن الحكامة الرشيدة (=الجيدة)، أي بإضافة نعت الجودة أو الرشد، تنطوي على تعاريف برغماتية متعددة ومتفاوتة الدرجة والأبعاد، تنهل من عدة مصادر وترتبط بمجالات أو أغراض أو سياقات قطاعية أو تدبيرية متنوعة: الاقتصاد، المال، الإدارة؛ التراب، الأمن… إلخ. وتروج لها عدة مؤسسات دولية كل حسب أغراضه وأولوياته. وينصرف وصف الرشد أو الجودة (الحكامة الرشيدة أو الجيدة) الذي يقترن بمصطلح الحكامة بحسب زاوية نظر ومصلحة كل جهة من الجهات المذكورة.

  • العلاقة المرتبكة بين الديموقراطية والحكامة عندما تريد هذه الأخيرة أن تكون رشيدة:

المشكلة في العلاقة بين الحكامة والديموقراطية أن هناك ما يشبه عدم التجانس أو التوافق بين المفهومين. ففي البلدان السائرة في طريق النمو كالمغرب، ينظر للحكامة، أو هكذا يجب أن يكون، باعتبارها ذلك النهج المتبع في إدارة الشأن العام من خلال السير وفق إيقاع يتوافق موضوعيا وزمنيا، مع هدف إصلاح الدولة، بحيث يكون واحد من نتائج هذا التوجه هو “تسريع أو ترسيخ المسار الديموقراطي “.

تقدم إيزابيل روسو مرافعة مقنعة في هذا الصدد قوامها خلاصة مثيرة للانتباه ومؤداها وجود نوع من التناقض في الأوصاف والمعاني بين الحكامة ( عندما تريد أن تكون رشيدة) من جهة والمسار الديموقراطي من جهة أخرى؛ بحيث يبدو من وجهة نظرها أن أهم هدف للحكامة -بوصفها رشيدة- هو التوفيق بين نوعين من المتطلبات المتناقضة: من جهة تحاول الحكامة التحفيز على الاستشارة التعددية من أجل تقوية وتحسين العمل السياسي للدولة، بينما من الجهة الأخرى يبدو وكأنها تخفض أو تحد من نطاق هذه التعددية من خلال تقليص جوانبها غير المفيدة بالنسبة لبلوغ هدف النجاعة؛ ولعل من شأن هذه العلاقة المتوترة بين الديناميتين المذكورتين أن تنطوي على “علاقة جديدة بالسلطة “؛ أي بعبارة أخرى فإن تبني وتطبيق نهج “رشيد” للحكامة في تدبير السياسات العمومية يؤدي حتما إلى ضبط إيقاع المسار الديموقراطي، بمعنى أن المشاركة الديموقراطية الواسعة في إدارة الشأن العام وفي النقاش العمومي، بخصوص السياسات العمومية المتعلقة بتنظيم الاقتصاد وتوزيع الثروة وتنظيم العمل، لن تكون ممكنة وعملية من وجهة نظر برغماتية.

  • الحكامة والحكامة الرشيدة:

الحكامة هي إذن وفي المحصلة ذلك المسلسل أو المسار المتبع في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام وفي تطبيق هذه القرارات أو تعديلها أو التراجع عنها.

والحكامة الرشيدة هي مصطلح غير محدد المعنى يستعمل في أدبيات التنمية الدولية لوصف كيف تتولى مؤسسات الدولة ومرافقها العمومية البحث عن أفضل السبل وأقلها كلفة في تدبير الشؤون العامة وإدارة الموارد الاقتصادية والمالية للبلد في سبيل التنمية المستدامة.

والجدير بالتذكير فإن التعريفات تختلف باختلاف الرؤى وتتضمن معاني متقاطعة أحيانا ومتمايزة أحيانا أخرى، حسب الجهة ذات العلاقة، إن كانت مؤسسة مالية أو تنموية، دولية أو وطنية ذات آفاق دولية، تنتمي لدول بعينها كأمريكا أو بريطانيا أو فرنسا مثلا أو جهة فكرية من قبيل رواد فكر الحكامة ذوي الآراء التي تعج بها أدبيات التنمية الدولية.

  • الحكامة الديموقراطية الرشيدة:

مبدئيا، الديموقراطية لا تنمو وتزدهر إلا في ظل حكامة “رشيدة” أو “جيدة”، وتعتبر الحكامة الرشيدة وفق توصيات الأمم المتحدة من مقتضيات تدعيم وتقوية النهج الديموقراطي، ولكي تتصف الحكامة بصفة “الرشد” وهي صفة، من وجهة نظرنا، أدق وأعمق وأوسع وأنبل من صفة “الجودة” ذات البعد المادي الكمي، فعليها أن تخضع للمعايير والمتطلبات الأربعة التالية على الأقل:

مقال قد يهمك :   النص الكامل لقرار المحكمة الدستورية بخصوص مدى دستورية القانون المتعلق بالتنظيم القضائي

1. صياغة منظور بعيد المدى لتطوير المجتمع والنهوض بموارده، مع ضمان وضوح الرؤية في تحديد الخطط ورسم البدائل والقدرة على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية، الحالية والمستقبلية: إنها الرؤية الاستراتيجية، التي إذا نحن حددنا توجهاتها بدقة ووضوح فيجب أن يحصل توافق واسع حول الإجراءات العملية المتخذة من أجل تنفيذ هذه التوجهات؛ من خلال آلية المشاركة المقننة والمجدية، بعيدا عن المهاترات والتناحرات الحزبية أو القبلية أوالجهوية أو المصالحية والبحث عن أفضل الصيغ لتصريف المنازعات في أفق تنعيم تضارب الأجندات وتنافسها.

2. ضمان التدفق والتبادل الحر للمعلومات، بحيث تصبح المؤسسات الحكومية ومعاملاتها وحساباتها متاحة بصورة مباشرة لكل المعنيين بها بمن فيهم المواطنون: إنها الشفافية، وما تقتضيه من تقليص لأثر الأنظمة الموازية والتوافقات الباطنية وممارسات الظل.

3. وجود نظام متكامل للرقابة والمحاسبة والمساءلة وإمكانية تطبيق هذا النظام على جميع متخذي القرار: إنها المحاسبة ودورها في محاصرة آفة التهرب من الحساب والإفلات من العقاب.

4. ضمان أن تكون المنظومة القانونية عادلة وفوق الجميع وأن يتم تطبيقها بنزاهة؛ أي حكم القانون: بعيدا عن الحكم الفردي في السياسة، واحتكار الثروة في الاقتصاد، والتدبير البيروقراطي (بالمعنى السلبي وليس بالمعنى العقلاني الفيبري، نسبة إلى ماكس فيبر) في الإدارة؛ فضلا عن استقلال وفعالية القضاء.

  • أية حكامة رشيدة مناسبة؟

لكن أية حكامة رشيدة تناسب الدول السائرة في طريق النمو؟ إنها الحكامة الرشيدة المرتبطة بمفهوم التنمية، والتنمية البشرية على الخصوص، فهي التي تلائم – حسب إجماع أدبيات التنمية الدولية- خصوصيات دول العالم الثالث السائرة في طريق النمو ومنها المغرب، وهي التي تتبناها مؤسسة دولية محترمة اسمها: البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، تعني الحكامة وفق هذا المنظور: “كيفية ممارسة السلطة” (أو إدارة الحكم)؛ أي أنها لا تنصرف إلى نموذج تكوين السلطة للبحث عن مصادر شرعيتها، وهو باب عالجته نظريات الفكر السياسي والفلسفة السياسية، وفي كليات الحقوق يشكل موضوعا لعلم القانون الدستوري وعلم السياسة وعلم الاجتماع السياسي؛ بل الممارسة العملية للسلطة بأبعادها السياسية العملية، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في تدبير شؤون البلد على كافة المستويات وتسمى رشيدة عندما تتقمص مجموعة من المعايير الآئلة إلى تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة؛ وهذا الموضوع هو موضوع علم الحكامة التنموية.

  • أسطورة الرؤية “المعلبة” لتطبيقات الحكامة الرشيدة:

سؤال عملي مهم جدا ولكنه مهمل على المستوى النظري، ذلك هو السؤال التالي: هل يمكن تصور تنزيل فعلي لسياسة حكامة ذات “رشد” أو “جودة” شامل(ة) وكامل(ة) وعلى نحو متزامن؟

  • الديموقراطية والحكامة التنموية:

فإذا كانت الحكامة من وجهة نظر تنموية (البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة) هي مجموع الآليات والمؤسسات والممارسات التي من خلالها يبلور المواطنون مصالحهم، ويمارسون حقوقهم الشرعية، ويؤدون التزاماتهم ويديرون خلافاتهم؛ وذلك في سبيل النهوض بالتنمية الشاملة المستدامة، فقد أثبتت الدراسات المقارنة المحكمة أن التنمية المستدامة ولا سيما في بعدها البشري تستلزم توفير نمط لصناعة القرار حول مجمل القواعد والسياسات العمومية يسمح برقابة الشعب، الذي يتعين على أفراده أن يتمتعوا بحقوق متساوية في المشاركة في عملية صناعة القرار تلك بصفة مباشرة وغير مباشرة. فإذن هناك حاجة وضرورة لوجود ضمانة ديموقراطية للحكامة الرشيدة اعتبارا لكون الحكامة العاجزة ديموقراطيا غير قادرة، كقاعدة عامة، لكن ترد عليها استثناءات هامة، حسبما أثبتته التجارب المقارنة، على وقف تبديد الموارد والفساد والتعسف والارتجال. والنتيجة المحتومة هي ضياع بوصلة التنمية واختلال ميزان العدل. وعندما يختل ميزان هذا الأخير يؤذن بخراب العمران على قول ابن خلدون، أو كما جاء في إحدى الحكم المأثورة المنسوبة لابن تيمية: “يقيم الله الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”.

  • نموذج “الحكامة الديموقراطية التنموية الرشيدة”:

هاهنا تثار مسألة الكونية والخصوصية التي تثار بشأن الديموقراطية بصفة خاصة وبشأن موضوعة الحداثة بصفة عامة؛ أي بشأن أي نموذج ديموقراطي يناسب دولة معينة في سياق وطني معين؛ ولهذه المسألة على الأقل ثلاثة أبعاد: بعد سياسي وبعد مؤسسي وبعد ثقافي-تاريخي: إذ ينبغي معالجة الحالة الخاصة بالدول النامية، والمغرب مصنف ضمن هذه الدول، في ظل الأخذ بعين الاعتبار المعيقات البنيوية للتنفيذ ومن بينها وربما على رأسها معضلة التوفيق بين مطب التخلف وفخ الديون من جهة والمحافظة على قدر معقول من السيادة الوطنية من جهة أخرى؟ والجواب على السؤال أعلاه هو بالنفي القاطع والسريع. فالمديونية هي التي شرعنت تدخل مؤسسات بروتن وودز في رسم السياسات العمومية للدول المدينة، وشرعنت ما يسمى الشرطية الديموقراطية أولا وشرطية الحكامة الرشيدة تاليا. فبينما ركز بعض الدائنين ابتداء على البعد السياسي الديموقراطي كالتعددية السياسية والحريات المدنية (الحكومة الرشيدة) كشرط للمعونة؛ ركزت المؤسسات الدائنة المتعددة الأطراف تاليا، على متطلبات الجودة الإدارية للحكومة أي “الحكامة الرشيدة” المتمثلة في مدى قدرة الحكومة على التدبير الفعال للسياسات العمومية جنبا الى جنب مع قدر معقول ومقبول من الديموقراطية وتكريس دولة القانون.

  • أربعة محاذير/اعتبارات من أجل صوغ نموذج خاص ل “حكامة ديموقراطية تنموية رشيدة”:

▪ الحاجة إلى التحلي بفضيلة “الصبر الاستراتيجي”، وإعداد العدة من أجل التعامل العقلاني الدقيق مع ثنائية الحكامة الرشيدة من جهة والممارسة الديموقراطية في سياق تنموي ناشئ و”انتقالي” من جهة أخرى؛ من حيث أنهما ينطويان على تعقيدات وديناميات تكون في أحيان متفاعلة بشكل تنافري وتنافسي، ذلك أن الحصول على الرضا السياسي ليس بالضرورة متوافقا مع ضرورة الحصول على الفعالية الاقتصادية والنجاعة التدبيرية في تنزيل السياسات العمومية. وهذا المعطى مستمد من التعريف الاتيمولوجي لكل من الديموقراطية والحكامة قياسا على الممارسة العملية لهما ضمن خصوصيات البيئة الوطنية، ذلك أن تنزيل الحكامة الديموقراطية الرشيدة من أجل التنمية هي معادلة عملياتية تستدعي استحضار ثلاثة متغيرات متداخلة وهي: السياق والمضمون والمسار.

مقال قد يهمك :   محمد البشير بروحو: هل يمكن تحميل الصين المسؤولية في انتشار جائحة الفيروس التاجي؟

▪ الحاجة لرسم أولويات لسياسة الحكامة، أي رؤية نظرية متسقة مع منهاج عملياتي، وذلك من أجل الانتقال من الشعارات التسويقية والاستهلاكية الطموحة إلى الفعالية العملية النسبية؛

▪ الحاجة لإعادة تصويب وتكييف أهداف الحكامة وفقا لإمكانيات الدولة ونسقها القانوني-السياسي ودرجة نضج بنيات الاستقبال الإدارية والمجتمعية والثقافية؛ وكذا وفق نسقها التنموي وتبعا لتحدياتها التنموية؛

▪ الحاجة إلى التواضع والحذر، أي إلى حكامة ديموقراطية تنموية رشيدة، “درجة معقولة من الرشد” ؛ وهو ما يستلزم اليقظة والحرص وقراءة التاريخ من أجل أخذ العبر، والمقارنة مع النماذج القابلة للمقارنة من أجل استمداد قصص النجاح والدروس المستفادة، أي تفادي الانجرار نحو التبني الآلي أو الأعمى للمقاربة المعيارية، ذات النفس الإسقاطي. والتي يعبر عنها المفهوم الاستعلائي: “الشرطية” Conditionnalité في علاقات التعاون الدولي شمال – جنوب (شرطية الديموقراطية؛ وشرطية الحكامة الرشيدة).


*) يمنع منعا كليا إعادة نشر هذا المقال إلا بعد إذن من الكاتب أو إدارة الموقع.

المقال منقول من الصفحة الرسمية للكاتب على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)