قراءة في مدنية الدولة من خلال وصول إيداع الجمعيات

مصطفى درويش : التمييز بين حجية الأمر المقضي و قوة الأمر المقضي.

مصطفى درويش : جريمة الاغتصاب بين النص القانوني و الواقع النفسي للمجني عليها.

17 أبريل 2018 - 12:37 ص المنبر القانوني , تحت الواجهة
  • حجم الخط A+A-

من إعداد : مصطفى درويش طالب باحث في ماستر القانون الإجرائي و طرق تنفيذ الأحكام القضائية.

تمهيد :

لا أحد يجادل في أن الجريمة لازمت الإنسان منذ أن وطأت قدماه الأرض، فلم تفارقه وستظل قائمة ومستمرة باختلاف الأزمنة والأمكنة ولا أحد يمكن له استئصال الجريمة والقضاء عليها نهائيا، لأنها تدور مع الإنسان وجودا وعدما.

ومن بين الجرائم التي رافقت الإنسان منذ نشأته إلى الآن نجد جريمة الاغتصاب التي تعتبر من أبشع الجرائم الإنسانية الماسة بكرامته لما ينبني عليها من هتك للعرض وإفساد في الأرض، لدرجة صنفت دوليا ضمن جرائم الحرب، حيث نصت الفقرة الأولى في بندها السابع من المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على جريمة الاغتصاب واعتبرت أن :

“فعل الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي، أو الإكراه على البغاء، أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الخطورة يشكل جريمة ضد الإنسانية بموجب النظام الإنساني”1.

وهكذا نجد أن الاغتصاب يشكل سلاحا فتاكا للعدو كما حصل في كثير من البلدان التي تعرضت للاحتلال، وعلى الرغم من خطورة جريمة الاغتصاب إلا أنها لم تلقى العناية الكافية التي تتناسب مع الفعل الجرمي من عقوبة جنائية تكون أكثر ردعا، كما حال التشريع الجنائي المغربي ، مثلما لقيتها مواضيع أخرى، فالبرغم من تنصيصه على عقوبات نوعا ما عقابية إلا أنها لا تجبر الضرر النفسي والاجتماعي للضحية ، ولا بد لنا من الإقرار بأن المنظومة القانونية الجنائية الحالية لا تتوافق مع منظومتنا وقيمنا الأخلاقية باعتبار أن المنظومة القانونية مستوردة من الغرب مما جعل الهوة القيمية والدينية والفلسفية تتسع، فبيئته وطبيعة المجتمع المغربي لا تستجيب للثقافة الدخيلة عليه. ولعل أبرز إشكالية تطرح هنا هل استطاع المشرع المغربي أن يحقق الردع وينصف الضحية المغتصبة بإقراره لنصوص زجرية؟ وما هي الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة عن جريمة الاغتصاب؟

لمقاربة هذه الإشكالية وغيرها سأعمد إلى تقسيم الدراسة إلى فقرتين:

  • الفقرة الأول: التعريف القانوني لجريمة الاغتصاب وأركانها وظروف تشديدها.
  • الفقرة الثانية: الآثار النفسية الناتجة عن جريمة الاغتصاب.

الفقرة الأولى : التعريف القانوني لجريمة الاغتصاب وأركانها وظروف تشديدها.

عرف المشرع المغربي في الفقرة الأولى من الفصل 486 من القانون الجنائي الاغتصاب بأنه: “مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، ويعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات”.

انطلاقا من هذا التعريف سنتعرض إلى دراسة هذه الجريمة من خلال أركانها وظروفها المشددة في الوحدات التالية:

أولا: أركان جريمة الاغتصاب

يتضح لنا من الفصل السابق أن جريمة الاغتصاب لا تتحقق إلا بتوافر الأركان التالية:

  • 1- فعل المواقعة غير المشروعة
  • 2- انعدام الرضى
  • 3- القصد الجنائي

1فعل المواقعة غير المشروعة:

الفعل المادي المكون لهذه الجريمة هو الموافقة غير المشروعة للأنثى الذي يتحقق بإيلاج عضو الرجل التناسلي في فرج المرأة وبناء على ذلك لا يقع الاغتصاب إلا من رجل على أنثى، فلا يعد اغتصابا المواقعة التي تقع من ذكر على جنسه2 أو من أنثى على انثى بل يعد ذلك هتك للعرض إذا حصل بغير رضاء المجنى عليه أو الإخلال العلني بالحياء إذا حصل على رضاء صحيح وارتكب علانية.

ولا يقع الاغتصاب إلا بحصول المواقعة في المكان الطبيعي أي بإتيان الأنثى في عضو أنوثتها وعليه لا يكون اغتصابا إتيان المرأة من دبرها أو وضع الأصبع أو أي عضو آخر ما عدا الذكر في فرج المرأة بل تعتبر هذه الأفعال من جرائم هتك العرض3.

ويستوي أن تكون الأنثى بكرا أو ثيبا أو متزوجة أو مطلقة أو أرملة وتحقق الجريمة بمجرد تحقق فعل الوقاع ماديا بصفة كلية أو جزئية فلا يشترط لتمام الجريمة أن يصل الجاني إلى حد اشباع رغبته الجنسية ذلك أن الإيلاج وحده كاف لتحقيق الجريمة ولو يتم إنزال السائل المنوي.

ويتم الإيلاج بالإدخال المطلق ويكون ذلك كلا فإذا لم يصل الإدخال بشكل كلي لا تتحقق الجريمة بكاملها و يعد الفعل محاولة وشروعا إذا شرع الجاني في تنفيذ الجريمة ثم حالت أسباب خارجة عن إرادته دون إتمام الجريمة كما إذا استعانت بالغير لنجدتها واستطاعت بقوتها مقاومته ورد الاعتداء عنها.

2انعدام الرضى :

لا تقع جريمة الاغتصاب إلا إذا تحقق فعل المواقعة بدون رضى المجني عليها، سواء باستعمال الجاني في تنفيذ جريمته وسائل القوة أو التهديد أو غير ذلك من الوسائل التي تؤثر على إرادة المجني عليها فتصدمها وتمنعها من المقاومة أو انتهاز فرصة فقدانها لشعورها وهذا ما سارت عليه استئنافية تازة في عددها الثاني عشر الصادر عن غرفة الجنايات بتاريخ 26 مارس 2003 والذي جاء فيه أن المتهم قام باغتصاب الفتاة وافتض بكارتها من طرف ابن عمها عقب زيارته لهم بمنزل والدها وذلك بعد أن ناولها قرص منوم مقدم لها كدواء الألم في معدتها، إلى أن فوجئت في الصباح أنها كانت ضحية اغتصاب…” فتوبع الجاني بجريمة الاغتصاب .

وخلاصة القول أن توفر هذا الركن يتحقق إذا كان رضى المجني عليها مشوبا بعيب من العيوب المؤثرة على الإرادة و الإدراك.

3القصد الجنائي :

الاغتصاب جريمة عمدية يشترط لتحقيقها توافر القصد الجنائي لدى الجاني وقت ارتكاب الجريمة بانحراف إرادته وعلمه بأنه يواقع أنثى بغير رضاها، وباستعمال وسائل الإكراه أو الغش التي تعتبر قرينة على توافر القصد في أغلب الأحوال، ومع ذلك يمكن للمتهم الطعن في هذه القرائن بإثبات وقوعه في غلط أوجهل كما إذا كان الجاني زوجا للأنثى وطلقها طلاقا رجعيا وكان يعتقد أن له الحق في مراجعتها والاستمتاع بها، في حين كان الطلاق بائنا.

ومسألة استخلاص وجود القصد الجنائي من عدمه من اختصاص السلطة التقديرية لقاضي الموضوع انطلاقا من وقائع القضية والظروف المحيطة بها وملابساتها4.

ثانيا: الظروف المشددة في جريمة الاغتصاب

جاء في الفقرة الثانية من الفصل 486: …”فإذا كانت سن المجني عليها تقل عن خمسة عشر عاما فإن العقوبة هي السجن من عشر إلى عشرين سنة”.

وجاء أيضا في الفصل 487 أنه: “إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة عليها أو وصيا عليها أو خادما بالأجرة عندها، أو عند أحد الأشخاص السالف ذكرهم، أو كان موظفا دينيا او رئيسيا دينيا، وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص أو بعدة أشخاص فإن العقوبة هي :

  • السجن من خمس إلى عشر سنوات في الحالة المشار إليها في الفصل 484.
  • السجن من عشر إلى عشرين سنة في الحالة المشار إليها في الفقرة الاولى من الفصل 485.
  • السجن من عشر إلى ثلاثين سنة في الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية من الفصل 485.

ويتضح لنا من خلال هذين النصين أن الظروف التي شدد المشرع بسببها عقوبة جريمة الاغتصاب هي القصور أو العجز وعلاقة القرابة أو ولاية أو خدمة وكذلك كون الجاني موظفا دينيا وكل من له سلطة على المجنى عليها.

الفقرة الثانية: الآثار النفسية الناتجة عن جريمة الاغتصاب.

لقد تزايدت معدلات الاغتصاب في المجتمع، حتى أصبح يمثل مشكلة خطيرة تحتاج للعديد من الدراسات التي تهدف إلى تحليلها واقتراح أساليب مختلفة للعلاج، وهذا التزايد في درجات الاغتصاب ظهر في أنماط السلوك المختلفة للأفراد…

وعليه، فلفهم حقيقة جريمة الاغتصاب وما ينتج عنها من آثار5 على ضحية هذا الجرم نقوم بعرضها كما يلي:

إن ضحايا الاغتصاب يتعرضن لصدمة عنيفة أثناء وبعد الاغتصاب، كما يواجهن نتائج عكسية على المستوى الجسدي والنفسي وهذه الأعراض ممكن أن تظهر وتظل لعدة سنوات، وهناك دراسات حول ضحايا الاغتصاب أظهرت بأنهم يصنفون إلى ثلاثة مراحل ويمكن أن تقود هذه المراحل إلى الشفاء في أحسن الأحوال حسب علماء النفس :

  • 1. المرحلة الأولى: ردود فعل فورية (من أسبوع إلى ستة أسابيع).
  • 2. المرحلة الثانية: إعادة التنظيم (من ستة أسابيع إلى ستة أشهر أو أكثر ).
  • 3. المرحلة الثالثة: اختفاء المشكل أو التخلص منه.

هذه المرحلة الاخيرة من الممكن ألا يتم الوصول إليها، وممكن أن تأخذ أشكالا مختلفة بالنسبة لسيكولوجية المغتصبة، لأن الأشخاص لا يعيشون نفس الحدث بنفس الطريقة.

نستخلص من هذه المراحل أن الاغتصاب يعتبر أبشع وأخطر أنواع العنف الممارس على المرأة وذلك لكونه يمس بشرفها وشرف العائلة ويغير من نظرة المجتمع لها مما يولد عندها مشاعر سلبية وآثار نفسية وجسدية6 التي تعيق حياتها وتبقى كحاجر لممارسة حياتها العادية،

حيث أن المرأة المغتصبة تخلق عندها مشاعر الخوف والغضب وفقدان الثقة في النفس وفي الآخرين ثم الخوف من المستقبل ومن نظرة المجتمع،

تخوفا من العائلة ومن ردة فعلهم، أيضا إحساسها بالخيانة كالعزلة وعدم إقامة علاقات مع الآخرين والشك فيهم، زيادة على مشاكل جسدية كالألم في البطن أو أعضائها الجنسية وفقدان الشهية واضطراب في النوم و الكوابيس المرتبطة بالحادث وغيرها من الأعراض.

لكن ليس كل الأعراض كما سبق ان اشرنا تظهر بنفس الطريقة ، فقد تظهر عند البعض ولا تظهر عند البعض الآخر، كما أن هذه الأعراض قد تظل عند الضحية وتدوم لمدة طويلة وقد تتجاوز وتعود إلى الحياة الطبيعية وذلك إذا وجدت المساعدة من قبل الأسرة والمجتمع والأخصائيين والنفسيين، ومهما كانت الأسباب فإن الأخصائيين النفسيين يقترحون وسيلة علاجية متمثلة في إعطاء الفرصة للمغتصبة لتتحدث عن تجربتها دون خجل أمام المعالج وهي بذلك تعيد معايشة الحدث في ظروف آمنة وبالتالي تعيد هضمه واستيعابه في منظومتها المعرفية بشكل أفضل.

وهكذا، تتخلص المغتصبة شيئا فشيئا من الذاكرة الصدمية التي تكونت بداخلها في لحظة الحدث وبعبارة أخرى تتعافى من حالة الكرب ما بعد الصدمة.

و صفوة القول أن جريمة الاغتصاب ظاهرة عابرة للحدود لا يرتبط ببلد دون ذاك، بل إن الاغتصاب يهدد المجتمعات خاصة التي ينتشر فيها الفقر والحرمان الناتج عن التخلف الاقتصادي والفكري، وقد تزايدت حدته بكثرة في السنين الأخيرة نظرا لضعف التأطير التربوي وانعدام الثقافة الجنسية لدى المجتمع ثم تخلي الأسرة عن دورها المنوط بها والمتمثل أساسا في المراقبة والتوجيه والإرشاد فلا المدرسة وحدها قادرة أن تربي وتنشئ جيلا متعلما ومتفقها دينيا وأخلاقيا ، و لا المناهج التربوية كافية لاستئصال الأورام الخبيثة التي انتشرت داخل مجتمعنا،

فقد أصبح تدخل الدولة ليست عن طريق الزجر وإنما عن طريق إضافة مناهج أخلاقية في المستويات التعليمية الأولى ضرورة ملحة لإعادة تأهيل واستصدار مواد متعلقة بالأخلاق الإسلامية الحديثة التي تتماشى وطبيعة العصر ثم على الأسرة مراقبة الأبناء عن سلوكياتهم وما يصدر منهم من أفعال خاصة في سن المراهقة.


هوامش :

1- النظام الأساسي لروما المتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية والذي دخل حيز النفاذ سنة 2002

2- أحمد الخمليشي: القانون الجنائي الخاص، ج الخاص ج1، الطبعة الثانية، المعارف، الرباط، سنة 1989، ص 193.

3- محمود محمود مصطفى: شرح قانون العقوبات القسم الخاص، الطبعة الثامنة، دار النهضة العربية سنة 1984، ص: 303.

4- أحمد الخمليشي: القانون الجنائي الخاص، ص 217.

5- أحمد محمد بدوي: جرائم العرض، سعد سمك للمطبوعات القانونية والاجتماعية، مصر 1999.

6- توفيق عبد المنعم توفيق: سيكولوجية الاغتصاب، دار الفكر الجامعي، مصر 1994.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.