البيعة ونظام الحكم في الدساتير المغربية

3 أغسطس 2021 - 4:08 م المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-

حسن مزوار باحث في العلوم القانونية

     لم تكن البيعة مجرد إجراء شكلي، بل كانت تتضمن شروطا ضمنية وأحياننا صريحة وعلى رأسها التزام السلطان بالعمل بالكتاب والسنة مقابل الطاعة في المعروف، ومقتضى البيعة تمنح للفقهاء مبدئيا على الاقل حق مراقبة السلطان، وقد خضع السلاطين المغاربة منذ قيام دولة الأدارسة لنظام البيعة هذا[1]، بل لقد كانت أخر بيعة مشروطة هي تلك التي تمت للمولى عبد الحفيظ سنة .1908 فإجراء البيعة كان يتولاه أهل الحل والعقد، وهم شيوخ القبائل الذين يمنحون الشرعية السياسية، والعلماء الذين يمنحون الشرعية الدينية[2]، إذ أن البيعة هي إجراء عميق بمقتضاه يتم تجديدالتعاقد السياسي بين الملك والشعب[3]. لكن مع ظهور الدساتير في المغرب حصل تحول نوعي في شكل البيعة وشرعية نظام الحكم في المغرب وكذا صلاحيات الملك بين ما هو سياسي وديني. فما العلاقة التي تربط بين البيعة كعرف والوثيقة الدستورية في المغرب؟ وأين تتجسد مشروعية الملك في ممارسة الحكم؟

المطلب الأول: البيعة ونظام الحكم في دساتير(1996_1962)

البعض يعتقد اليوم بأن البيعة فوق الدستور، والصواب أن البيعة ليست فوق الدستور ولا تحته، وإنما هي الدستور نفسه. فقد اقتضى تطور التنظيمات السياسية الحديثة والانتقال من محورية الفرد الحاكم إلى نظام المؤسسات أن يتم تطوير التعاقد السياسي الذي يربط الحاكم بالمحكومين في شكل وثيقة قانونية تكتسب صفة السمو بعد قبولها من طرف المواطنين في استفتاء شعبي ديمقراطي[4]. الشيء الذي تأتى مع ظهور مجموعة من الدساتير المغربية بدءا بدستور 1962،الذي أعتبر المؤسس للنظام الدستوري المغربي.

إن الدستور يتضمن مستويين اثنين: الأول يستدعي قواعد العرف (بالمعنى القوي) للبيعة كمنشئة لتعاقد ما بين الأمة وأمير المؤمنين(الإمام الأعظم). فعقد البيعة إذن في حد ذاته عبارة عن نص دستوري. اما الثاني فهو ما نعنيه بالدستور المكتوب (دساتير 1962.1970.1972.1992.1996) التي يعد الفصل 19 العنصر الرابط الذي لامحيد عنه مابين المستويين المذكورين[5].

وينص الفصل 19 من دستور 1962 على مايلي: “الملك أمير المؤمنين، ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الملة والدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة”[6]. كما ينص الفصل 20 من نفس الدستور على ما يلي:”إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من سلالة جلالة الملك الحسن الثاني، ثم إلى ابنه الأكبر سنا، ثم إلى ابنه الأكبر وهكذا ما تعاقبوا…”[7]. هدا فيما يخص انتقال الحكم. في حين ينص الفصل 23 على أن “شخص الملك مقدس لاتنتهك حرمته”[8]. وبالتالي هنا الجمع بين مؤسسة إمارة المؤمنين ومالها من بعد رمزي ديني وكذا واجب التقدير والاحترام لشخص الملك. أما فيما يخص انتقال العرش فيكون ذلك إلى الولد الأكبر سننا للملك. إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتمثل في ماهية القيمة القانونية للبيعة بعد تقنين ورثة الإمامة وتنظيم انتقال الحكم بمقتضيات الفصل 20 من الدستور المغربي؟

إجابة عن السؤال السابق فإن النص الدستوري المكتوب الذي أشرف الملك الحسن الثاني على وضعه سنة 1962 ووافق عليه الشعب بواسطة الاستفتاء. اعتبره الملك الراحل تجديدا لعلاقة البيعة، واعتبره أهل الرأي والمثقفون تصويتا رسميا لصالح نص دستوري من شأنه أن يحل محل القواعد المدونة والعرفية التي كانت تنظم فيما مضى العلاقة بين متولي إمارة المؤمنين والأمة المغربية. هذا الدستور تضمن مقتضيات جديدة في ممارسة الحكم تتعلق بنظام الاستخلاف. إذ لأول مرة ثم النص على كتابة ولاية العهد في وثيقة مكتوبة تحدد بشكل صريح من يتولى الإمارة وتجعل كلمة الفصل للملك في اختيار خلفه.

مقال قد يهمك :   البناء القانوني للتجنيس في ضوء القانون المغربي  

وقد دلت الممارسة التاريخية للنظام السياسي بالمغرب خلال العقود الأربعة الأخيرة منذ دسترة “إمارة المؤمنين” عمليا سنة 1962، على أن حكم هذه المؤسسة يتجاوز وبكثير مجرد الدلالة الرمزية التي قد يحيل عليها الأصل الإيتيمولوجي. وبما أن هذا الدستور جمع في شخص الملك بين إمارة المؤمنين ورئاسة الدولة، مقدما الأولى على الثانية، وبحيث جعلها تتجسد موضوعيا من خلال الممارسة الحية، وليس فقط لأنها مجرد مرجع لمشروعية الحكم والسيادة[9].

إن إمارة المؤمنين تشكل مفتاح فهم النظام المغربي لأن المفهوم حمالة معان قانونية تقليدانية جد مكثفة تجعل منه الخزان السياسي والإيديولوجي للنظام، كما أن التمعن في تموضعه ضمن الهندسة الدستورية يجعل منه مفتاح القانون الرئيسي وحجره الأساسي[10].

كان ميشال روسي، يتحدث عن ملكية معتدلة، أقامها دستور 7 دجنبر 1962، لم ثلبت أن تحولت إلى ملكية حصرية بعد تعليق الدستور سنة 1965. فهل كان دستور 1970، ثم الدساتير التي أعقبته، تلخص فعلا نظاما دستوريا ملكيا معتدلا، أم أن “إمارة المؤمنين” احتكرت وحدها ممارسة السلطة خلال العقود الخمسة التي أعقبت دستور 1962؟[11]

إن صفة “الممثل الأسمى”، لم تكن واردة في أول دستور للدولة سنة 1962 بل تمت إضافتها خلال التعديل الدستوري الذي أحدته الملك سنة 1970. فمن أهم التجديدات التي جاء بها هذا الدستور تحويره للفصل 19 الذي صار ينص على أن الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة، بحيث أن اعتبار الملك ممثلا أسمى للأمة، يعني أن النواب الذين يستمدون نيابتهم من الأمة، يعتبرون ممثلين ثانويين لها أمام الملك الممثل الأسمى الذي يستمد مشروعيته من الدين والبيعة والنسب الشريف[12]. وبالتالي فهدا تحول نوعي في طبيعة المشروعية، على اعتبار إضفاء صفة السمو على شخص الملك.

ومع ظهور ملامح نظام عالمي جديد تلوح في الأفق إثر انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشرقي. وعلى غرار العديد من القوى السياسية حول العالم، أرادت أحزاب المعارضة المغربية وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي والاستقلال أن تستمر هذه الفرصة التاريخية لتعبئة الرأي العام الوطني والدولي للضغط على النظام بغرض تحقيق بعض المكاسب السياسية بعد جمود طويل، ورغم مطالب هده القوى والتي استنزفها طول الانتظار، فإن الملك المتمسك بسلطته المطلقة لم يقبلها[13]. ورغم التعديل الدستوري لسنة 1996 الذي لم يكن سوى مجاراة للأوضاع الدولية وكذا الحراك الداخلي، والذي لم يأتي بالجديد على مستوى طريقة البيعة وكذا صلاحيات وسلطات الملك. فقد اعتبرت الوثيقة الدستورية لسنة 1996 مجرد اجترار لفصول دستور 1970.

إذن يمكن القول إن البيعة لم تفقد قيمتها القانونية مع دسترة أسلوب انتقال الحكم. فالنص الدستوري إذ أخد بمعزل عن المحيط الذي يطبق فيه مع إغفال الممارسات التي تتم في إطاره، يمكن أن يفهم منه أن عملية البيعة التي واكبت جميع مراحل النظام الملكي قد دخلت في ذمة التاريخ الدستوري المغربي. بيد أن هذا الفهم لا يستقيم أمره لافتقاده لأبسط دليل يؤيده أو سند يدعمه. كما أن مفهوم البيعة وإن كان لم يتم التنصيص عليه بالحرف في الوثيقة الدستورية، فإن الفصل 19 في جميع الدساتير ما قبل دستور 2011 يحيل عليه، بتنصيصه على مؤسسة إمارة المؤمنين ودورها الديني والسياسي. فحسب محمد ضريف فإن السلطة لا توجد في حقل “الملكية الدستورية” بل توجد في حقل “إمارة المؤمنين”[14]. فالفصل التاسع عشر كما ذهب إلى ذلك الفقيه الدستوري محمد أتركين، كان في البداية مجرد بنوذ تشريفية ، ليحيل بعد ذلك على وظائف الخلافة ، ليشكل في النهاية مضمون القرائة الجديدة للدستور، سواء بالنسبة إلى الفقه، أو للمؤسسة الملكية[15]. وبالتالي فإن المغاربة عندما يتحدثون عن البيعة فإنهم يتحدثون عن إمارة المؤمنين، والأمور هنا مرتبطة وليست منفصلة[16]. فما الجديد الذي جاءت به الوثيقة الدستورية لسنة 2011؟

مقال قد يهمك :   آثار مكافحة الإرهاب على حقوق الإنسان (المغرب نموذجا)

المطلب الثاني: البيعة ونظام الحكم من خلال دستور 2011

يعتبر دستور 2011 أول تعديل شامل أدخل تعديلات جوهرية على طبيعة نظام الحكم في المغرب ، وبذلك يمكن القول أن هذا الدستور قد أسس لملكية مغربية ثانية ، وذلك بالتخفيف من الطابع الرئاسي للملكية الدستورية والاتجاه بها نحو الطابع البرلماني[17].وبوسعنا القول إن الدستور المغربي لسنة 2011  وفي الممارسة التاريخية للمؤسسة الملكية، حيث خلقت التجربة التاريخية منطوق الدستور وروحه ، وهو الأمر الذي انعكس على اختصاصات الملك وصلاحياته حيال جميع السلط، فهو إلى جانب اختصاصاته الدينية والعسكرية فاعل في السلطة التنفيذية، وعنده تشابك خيوط السياسات العامة. وهو مؤثر في السلطة التشريعية والحريص على عدم خروجها عن مبدأ “العقلنة” بكل مايحمله من معان، وهو الوصي على السلطة القضائية والمشكل لكل هياكلها ومؤسساتها[18].

وبالرجوع إلى دستور 2011 نجده ينص في فصله الأول على أن ” نظام الحكم في المغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية”[19]. كما انتقل الفصل 19 “رمز النظام التقليداني” من موقعه ضمن الباب الثاني (من الدستور القديم)، إلى الفصلين 41 و 42 من الباب الثالث المخصص للملكية (في الدستور الجديد).الفصلان 41.42 بالصيغة الجديدة ، يجعلان أي قارئ سياسي يدخل إلى قلب خصوصية الهوية المغربية ، بحيث لا يوجد شبيه لذلك في أي وثيقة دستورية أخرى من العالم ، ومبدئيا لا ندري مدى الحدود والأفاق التي ينفتح عليها الفصلان ، فالمفاهيم حمالة معاني ويكفي أن نثير فقط عبارات مثل: الممثل الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، لينفتح المجال على كل تأويل. وقد دلت الممارسة التاريخية على ان الفصل 19 “الشهير” ظل صامدا مدة طويلة قبل أن ينتفض بقوة إبان استعماله في وجه المعارضة مطلع ثمانينيات القرن الماضي[20]. ونحن نعلم بأن مشروع الحكم الحداثي عموما يميز دائما بين الديني والسياسي، وفي الفصلين 41و42 وقف المشرع على المستويين الزمني /الديني (من خلال إمارة المؤمنين)، والمدني/الدنيوي (باعتبار الملك رئيس دولة) ولكن إلى أي حد؟ [21]

وهذا ما جاء به دستور 2011 وخاصة في ديباجته، حيث يؤكد بأن المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة[22]. ويضيف الفصل الثالث منه على أن الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية[23].  كما يحيل الفصل 41 من ذات الدستور على أن الملك أمير المؤمنين، وكذا ترأس الملك للمجلس العلمي الأعلى[24]، في حين ينص الفصل 42 على أن: “الملك هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها …”[25]. فهذا الإطار العام للدستور المجسد لعقد البيعة يحدد شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي ونمط الحكم والتي هي:” أن الدولة المغربية ذات طبيعة دينية يتولى تدبير شؤونها أمير المؤمنين”.

مقال قد يهمك :   دور الأجهزة القضائية في إدارة مسطرة صعوبات المقاولة

وبالتالي فإن دستور 2011 يؤسس لوجود ملكية حاكمة تقوم على أساس إمارة المؤمنين كتعبير عن نظرية الخلافة والبيعة المستمدة من التاريخ الإسلامي من جهة، وكدا رئاسة الدولة أي في جانبها السياسي. فقد أجمع جل الباحثين والدارسين في مجال القانون الدستوري أن الوثيقة الدستورية لسنة 2011، تعتبر غاية في المثالية والتقدم، بحيث أعتبر بمثابة تعديل حقيقي في النظام الدستوري المغربي، والذي مكن من تجاوز مرحلة التقليدانية في الدساتير السابقة. رغم ذهاب البعض إلى القول بأن عقد البيعة بين الشعب المغربي والملك يرتكز على البعد الديني (إمارة المؤمنين) بشكل أساسي.


الهوامش:

[1]محمد عابد الجابري،”المغرب:الخصوصية والهوية…الحداثة والتنمية”، الطبعة الأولى 1988، ص128

[2]محمد عابد الجابري، المرجع نفسه، ص 127

[3]طارق لطفي، مقال بعنوان “البيعة في الفكرالسياسي”، ص 8 (تاريخ الاطلاع 11مارس 2021)

[4]عبد العالي حامي الدين، “عن البيعة والدستور والملكية البرلمانية”، جريدة هسبريس الالكترونية, 8 مارس 2011، تاريخ الزيارة 5 فبراير 2021 س 14.18

[5]“البيعة في إطار القانون السياسي المعاصر”، مقال منشور بالموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تاريخ الزيارة 10 فبراير 2021 س 13:34

[6]الفصل 19، دستور 1962

[7]الفصل 20، دستور 1962

[8]الفصل 23، دستور 1962

[9]عبد العزيز غوردو، إمارة المؤمنين “التاريخ السياسي والثقافة الدستورية”، دار ناشر للنشر الالكتروني، يناير 2016 ص 68

[10]عبد العزيز غوردو، نفس المرجع السابق، نفس الصفحة

[11]عبد العزيز غوردو،”الحكامة الجيدة في النظام الدستوري المغربي”، أي كتب، لندن، نوفمبر 2015 ص 40

[12]محمد معتصم،”النظام السياسي الدستوري المغربي”، مؤسسة أزيس للنشر، الدار البيضاء, 1992، ص110. نقلا عن عبد الرحيم العلام، صلاحيات الملك في الدستور المغربي، المجلة العربية للعلوم السياسية، ص 139

[13]محمد نبيل ملين، “فكرة الدستور في المغرب”، وثائق ونصوص (2011 _1901) ص 178

[14]محمد ضريف، “قراءة أولية في النسق السياسي المغربي”، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، العدد الثاني، مارس 1987 ص 92

[15]  محمد أتركين، مباحث في فقه الدستور المغربي، دار النشر المعاصرة الرباط، الطبعة الأولى، 2020 ،ص 13

[16]الحسين بكاري السباعي، “البيعة وإمارة المؤمنين في النظام السياسي المغربي”، جريدة حقائق24 الالكترونية تاريخ النشر 16 يوليوز 2018 س 13:22، تاريخ التصفح18 فبراير2021 س 58:23https://hakaik24.com/58328.html

[17]رشيد المدور، “مدخل لدراسة الدستور المغربي”، محاضرات المدرسة الوطنية للإدارة، ص 21

[18]عبد الرحيم العلام، “صلاحيات الملك في الدستور المغربي دراسة نقدية”، المجلة العربية للعلوم والسياسة، ص 150

[19]الفصل 1 من دستور 2011

[20]عبد العزيز غوردو، “الحكامة الجيدة في النظام الدستوري المغربي”، اصدارات أي_كتب لندن، نوفمبر2015 ص 53

[21]عبد العزيز غوردو، نفس المرجع السابق ص 54

[22]الفقرة الثانية من تصدير دستور 2011

[23]الفصل 3 من دستور 2011

[24]الفصل 41 من دستور 2011

[25]الفصل 42 من دستور 2011

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)