الــطبيعة القانونية لــعقد الشغل الأجــنبي

23 أكتوبر 2021 - 1:43 م المنبر القانوني
  • حجم الخط A+A-

 هشام عبد الرفيع  باحث في سلك الدكتوراه شعبة القانون الخاص

معلوم أن الأصل في عقود الشغل أنها غير محددة المدة وأن عقد الشغل محدد المدة يعتبر استثناءً للأصل، وقد حدد المشرع المغربي حالات إبرام عقد الشغل محدد المدة في المادتين [1]16 و [2]17 من مدونة الشغل، وتعتبر عقود شغل الأجراء الأجانب من العقود المحددة المدة رغم أن المشرع لم ينص عليها صراحة، إلا أن ذلك يُستشف من طبيعتها من جهة، ومن تكييف القضاء لها.

      لكن عندما نعود إلى قرار وزير الشغل والتكوين المهني رقم 350.05 المتعلق بتحديد نموذج عقد الشغل الخاص بالأجانب[3]، نجد في مادته الأولى أن تشغيل الأجير الأجنبي قد يكون لمدة محددة أو لمدة غير محددة، لكن وارتباطا بالتأشيرة نُلاحظ أن التأشيرة تُمنح لمدة سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات بمعنى أن المدة تكون محددة في التأشيرة، ونظرا للكثير من النزاعات التي تُعرض على القضاء في هذا الشأن، فقد تم إفراز مجموعة من الاجتهادات القضائية، نعرض منها قرارين اثنين:

القرار الأول[4]: صادر عن محكمة النقض عدد 419 صادر بتاريخ 8/3/2016 في الملف الاجتماعي عدد 387 /5/1/2015 الذي جاء فيه: ” إن إجبارية وضع تأشيرة السلطة الحكومية المكلفة بالشغل على عقود العمل المتعلقة بالأجانب وتجديد مدتها في سنة تُضفي على هذا العقد طابع التحديد ويعتبر عقدا محدد المدة ينتهي بانتهاء مدته  المحددة في التأشيرة المذكورة، ولا يمكن لإرادة الأطراف أن تجعله عقدا غير محدد المدة خارج مقتضيات المادة 516 من مدونة الشغل التي جاءت بصيغة الوجوب فهي قاعدة آمرة لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتها، والمحكمة لما اعتبرت العقد موضوع النزاع عقدا محدد المدة ورتبت الآثار القانونية على ذلك من حيث التعويض المستحق للمطلوبة عن فسخ عقد الشغل يكون قرارها معللا تعليلا سليما”.

مقال قد يهمك :   La nouvelle Charte de déconcentration : est-elle opérationnelle

القرار الثاني[5]: قرارا لمحكمة النقض بالرباط عدد 697/1 الذي اعتبر أن: عقود الشغل المدلى بها من طرف الطاعن مطابقة لمقتضيات المادة 516 من مدونة الشغل، لكونها تحمل الرخصة المسلمة من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالشغل في شكل تأشيرة، وأن تحديد صلاحية الـتأشيرة في مدة سنة، لا تأثير له على طبيعة عقد الشغل من حيث كونه محدد المدة أو غير محدد المدة، لأن المرجع في ذلك يعود إلى القانون الذي حدد من خلال المادتين 16 و 17 من مدونة الشغل حالات عقد الشغل المحدد المدة على سبيل الحصر دون تمييز بين عقود شغل الأجراء الوطنيين وعقود شغل الأجانب، ذلك أن المادة التاسعة من مدونة الشغل المطابقة لمقتضيات اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 بخصوص مبدأ عدم التمييز في الاستخدام والمهنة، تمنع تمييز الأصل الوطني في مجال التشغيل وتحث على المعاملة بالمثل وهو المبدأ الذي أصبح دستوريا في ظل الدستور المغربي الجديد، وأن الطاعن باستمراره في الشغل لدى المطلوبة منذ سنة 1998 إلى غاية سنة 2014، وتجديد عقد الشغل كل سنة يعني أن عقد الشغل المبرم بين الطرفين غير محدد المدة، وأن المحكمة لما قضت بخلاف ذلك تكون قد أساءت تطبيق القانون وعللت قرارها تعليلا ناقصا يوازي انعدامه مما يعرضه للنقض.

      باستقرائنا للقرارين أعلاه يتضح أنهما متناقضين رغم أنهما صادرين عن نفس المحكمة، إذ القرار الأول يرى أن عقد شغل الأجانب محدد المدة ولا يمكن لإرادة الأطراف أن تجعله غير محدد المدة، بينما الثاني يرى أن عقد شغل الأجير الأجنبي الذي يُجدد كل سنة يُصبح تلقائيا غير محدد المدة تطبيقا للمادة 17، ويبدو لنا أن التوجه الثاني هو الأقرب للصواب وهو الذي يجب أن تسير فيه المحاكم، ومرد ذلك أنه:

  • لم يرد ذكر عقد الشغل الأجنبي في حالات إبرام عقد الشغل محدد المدة في المادتين 16 و 17 مما يفيد أنه غير محدد المدة.
  • بالرجوع إلى نموذج عقد الشغل الخاص بالأجانب نجد أنه ينص في مادته الأولى على أنه يلتزم المشغل بتشغيل الأجير(ة) الأجنبي(ة) في إطار عقد عمل محدد المدة أو غير محدد المدة.
  • اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 تنص على مبدأ عدم التمييز في الاستخدام والمهنة وتمنع تمييز الأصل الوطني في مجال التشغيل وتحث على المعاملة بالمثل.

       وفي الأخير وجب الذكر أن حديثنا عن الطبيعة القانونية لعقود شغل الأجراء الأجانب يرجع لأهمية التمييز بين هذين العقدين نظرا للآثار القانونية المترتبة عن كل واحد منهما، لأن كثيرا من المشغلين يتهربون من العقود غير محددة المدة نظرا للتعويضات التي يستحقها الأجراء في حالة طردهم تعسفيا، ولا نُحبذ أن نراهم يجعلون التأشيرة المنصوص عليها في المادة 516 ثغرة يواظبون بها أو من خلالها على تجديد عقود الأجراء الأجانب كل سنة تحايلا على القانون من جهة وعلى الأجراء الأجانب من جهة أخرى.

مقال قد يهمك :   المساطر المرجعية بين الشرعية و الواقع العملي

[1] – تنص الفقرة الثانية من المادة 16 من مدونة الشغل: “

[2] – تنص المادة 17 من مدونة الشغل على أن: “

[3]  قرار لوزير التشغيل و التكوين المهني رقم 350-05 صادر في 29 من ذي الحجة 1425 (9 فبراير 2005) المتعلق بتحديد نموذج عقد الشغل الخاص بالأجانب.

[4] – قرار منشور بنشرة قرارات محكمة النقض، الغرفة الاجتماعية عدد 25 ص 34.

[5] – قرارا لمحكمة النقض بالرباط عدد 697/1 بتاريخ: 24/07/2018 ملف عدد: 196/5/1/2017

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)