بلقاضي : ميثاق الأغلبية بين التعاقد الأخلاقي و السياسي و السند القانوني.

التشريع المغربي في مجال مكافحة زراعة الكيف و إشكالية التنمية.

د. بنصغير : عوار فاحش يشوب مشروع قانون رقم 13-103 يتعلق بمحاربة العنف ضدّ النساء

23 فبراير 2018 - 5:42 م تحت الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-
  • الدكتور فؤاد بنصغير : أستاذ جامعي خبير / مكون في القانون الإلكتروني

مقدمة :

ينص الفصل 1-448 من مشروع قانون رقم 103-13 يتعلق بمحاربة العنف ضدّ النساء على أنه :

” يعاقب من ستة أشهر إلى تلاث سنوات وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم كل من قام عمدا وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلومياتية بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري دون موافقة أصحابها،
يعاقب بنفس العقوبة من قام عمدا وبأي وسيلة بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص دون موافقته “.

يهدف هذا الفصل إلى حماية الحياة الخاصة الرقمية للنساء عبر تجريم أفعال التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات تخصهم بطريقة غير مشروعة ( الفقرة الأولى ) ، وتجريم تتبيث أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص ( امرأة ) بطريقة غير مشروعة ( الفقرة الثانية ).

النص المذكور يستهدف تحديدا نشر صور أو مقاطع فيديو تحتوي على أقوال أو معلومات أو صور نساء بأي وسيلة كانت وكيفما كانت الدعامة المستخدمة.

هذا يعني أن الأداة المستخدمة في التقاط الصور أو تسجيل الأشرطة لا تهم سواء تم ذلك عن طريق آلة تصوير أو عن طريق الكاميرا الرقمية المدمجة في الهاتف النقال أم بواسطة وسائل أخرى للتصوير أو التسجيل.

وكما هو الأمر بالنسبة للإلتقاط أو التسجيل، فإن الوسيلة المستخدمة في نشر الصور أومقاطع الفيديو عبر الوسائط الإلكترونية لا تهم كذلك، سواء تم ذلك عن طريق الشبكة الهاتفية أو عبر شبكة الإنترنت أو حتى عن طريق طباعة الصور على الورق ونشرها عن طريق التوزيع المباشر.

غير أن المقتضيات القانونية التي جاء بها هذا الفصل على أهميتها غير قادرة على تجريم العديد من الجرائم ذات الطبيعة الجنسية التي أصبحت اليوم شائعة بفضل تطور تكنلوجيا الإعلام والإتصالات والتي تمس بسمعة وشرف المرأة مثل السيكستوكس (Sextos) ( = يتعلق الأمر بصور أو أشرطة جنسية يتم إرسالها عن طريق الرسائل متعددة الوسائط أو عبر تقنية البلوتوت أو الواتساب…( أو ما يسمى بالإنتقام الإباحي الإلكتروني (La revanche pornographique électronique ) ( = نشر صور أو تسجيلا ت إباحية عبر الوسائط الإلكترونية دون رضا الضحية التي كانت قد وافقت على التقاطها أو تسجيلها من أجل الإنتقام منها ).

هذه الجرائم كانت وراء محاولات انتحار العديد من الفتيات اللاتي كن ضحية هذا النوع من الجريمة والتي عرض العديد منها أمام المحاكم المغربية .

لذلك نعتبر أن النص المذكور بصيغته الحالية، إذا لم يتدارك المشرع المغربي الأمر عبر تعديله كما فعل قبله المسرع الفرنسي، سيترك فراغا قانونيا هائلا يجعل العديد من الجرائم التي تمارس على المراة عبر الوسائل الرقمية تبقى خارج دائرة التجريم والعقاب.

مقال قد يهمك :   محمد الهيني :كيف نقرأ قرار المحكمة الدستورية بتعذر البت في دستورية النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؟

إليكم بعض ملامح العوار الذي يشوب مشروع القانون هذا :

أولا : لم يجرم النص الأقوال أو المعلومات أو الصور ذات الطبيعة الجنسية

الفصل المعني بالأمر لم يشر إلى التقاط الأقوال أو المعلومات أو تثبيت الصور ذات الطبيعة الجنسية، وهي في حقيقة الأمر الأفعال الغالبة في هذا الإطار.

هذا يعني أنه عندما يتعلق الأمر بأقوال أو معلومات أو صور ذات طبيعة جنسية، فإن العقوبة تكون مثلها مثل الأقوال أو المعلومات أو الصور العادية ( لأن القاضي سيكتفي بتطبيق المادة 448-1 التي في الواقع تتعلق بصور وتسجيلات ذات طبيعة عادية ) ، وهذا غير منطقي لأن الأقوال أو المعلومات أو الصور عندما تكون ذات طبيعة جنسية تكون آثارها وخيمة على الضحية.

وبالتالي، فإن النص كما هو على حاله اليوم غير قادر على تجريم أفعال التقاط أقوال أو معلومات أو تثبيت صور ذات طبيعة جنسية تتعلق بنساء.

وهذا بالفعل ما تنبه إليه المشرع الفرنسي (عانت فرنسا من هذا الفراغ القانوني لمدة طويلة ) الذي تدارك ذلك من خلال قانون الجمهورية الرقمية.

حيث تمت إظافة فقرة جديدة بموجب هذا القانون شددت العقوبة عندما يتعلق الأمر بجريمة التصوير أو التسجيل لأقوال أو صور ذات طابع جنسي يتم التقاطها أو تسجيلها في مكان عام.

تنص هذه الفقرة على أنه : “عندما تتعلق المخالفات المشار إليها في المادتين السابقتين (…) بأقوال أو صور تمتل طبيعة جنسية تم التقاطها أو تصويرها في مكان عام تضاعف العقوبة إلى (…)”.

نفهم أن المادة المذكورة أضافت مقتضى قانوني جديد يتم بوجبه تشديد العقوبة في حال الإضرار بالحياة الخاصة للمرأة تكون الغاية من ذلك نشر صور أو تسجيلات للضحية لها طابع جنسي حتى عند التقاط الأقوال أو تبيت الصور في مكان عام.

من جهة أخرى، تضع الفقرة التانية من الفصل 1-448 من مشروع قانون 13-103 يتعلق بمحاربة العنف ضد النساء شرطين لتحقق العنصر المادي لجريمة تتبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة امرأة وهما : أن يتم التقاط صورة المرأة في مكان خاص وأن لا تكون الضحية قد أعطت موافقتها على ذلك.

مقال قد يهمك :   دور الاجتهاد القضائي في تكريس الحقوق والحريات والدستورية

هذان الشرطان يجعلان العديد من الجرائم الإلكترونية التي تضر بالمرأة في حياتها الخاصة وفي سمعتها وفي شرفها تبقى خارج دائرة التجريم والعقاب.

وهذا بالضبط ما سنحاول شرحه في ما يلي :

ثانيا : شرط المكان الخاص ( تقنية صور السيلفي )

عندما يضع المشرع شرط المكان الخاص يثور التساؤل التالي : كيف يتم عقاب الأضرار الناجمة عن صور السيلفي الجماعية منها على وجه الخصوص التي قد تحتوي على صورة امرأة دون أن ترغب هذه الأخيرة في ذلك، تم تفاجئ بصورتها على شبكة الإنترنت في وضعية قد تضر بحياتها الخاصة أو بسمعتها أو بشرفها ؟

وبذاك فإن كل الصور ذات الطبيعة الجنسية التي يتم التقاطها وكل أشرطة الفيديو ذات الطبيعة الجنسية التي يتم تسجيلها في مكان عام لا يمكن أن يشملها النص المذكور رغم أن الآثار هي نفسها سواء تعلق الأمر بمكان خاص أو بمكان عام.

فالتفسير الصارم للنص الذي يتميز به القانون الجنائي سيجعل القاضي في هكذا حالة يحكم ببراءة الجاني لأن الفصل المعني بالأمر يشترط أن تتم الجريمة في مكان خاص.

هذا الأمر تنبه إليه المشرع الفرنسي كذلك عندما أظاف بموجب قانون الجمهورية الرقمية دائما نصا يعاقب على نفس الجريمة حتى عندما يتم اقترافها في مكان عام.

ثالثا : شرط موافقة الضحية ( الإنتقام الإباحي عبر الإنترنت )

عندما يضع المشرع شرط موافقة الضحية يثور التساؤل التالي : كيف يتم عقاب جريمة الإنتقام الإباحي عبر الإنترنت (La revanche pornographique électronique ) حيت يتم التقاط صورة امرأة في أوضاع ذات طبيعة جنسية برضاها في حين أن البث أو التوزيع عبر الوسائط الإلكترونية يتم دون موافقتها لأن غرض الجاني هنا هو الإنتفام منها.

يقوم بعض الشباب بنشر على مواقع التواصل الإجتماعي ( فيس بوك + تويتر + إنستاغرام ….) أو على الشبكة الهاتفية ( رسائل متعددة الوسائط MMS + بلوتوث + ) صور أو مقاطع فيديو ذات طبيعة جنسية تجمعهم بفتياة من أجل الإنتقام منهن والإضرار بسمعتهن.

مقال قد يهمك :   لوائح المرشحين المقبولين لاجتياز الاختبارات الكتابية لمباراة التوظيف بالتعاقد دورة 13 يناير 2018

في هذه الحالة، قد يفلت المجرم من العقاب لعدم توافر عنصر عدم الموافقة الذي جاءت به الفقرة المذكورة كشرط أصيل من شروط تحقق العنصر المادي للجريمة.

فالقاضي سيعتبر أن الضحية عندما أعطت موافقتها على التقاط صورة ( ذات طبيعة جنسية ) أو تسجيل شريط فيديو ( ذو طبيعة جنسية ) فهذه الموافقة تنصب كذلك على نشر تلك الصور أو تلك الأشرطة كيفما كانت الوسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلومياتية.

أما الحقيقة فهي أن المستهدف بموافقة الضحية على التصوير أو التسجيل فهو صديقها فقط الذي منحته ثقتها وليس سكان الإنترنت جميعهم والذين يعدون بالملايير.

هذا يعني أن هذه الفصل المعني بالأمر لا يميز بين موافقة الضحية عند التقاط الصورة أو تسجيل الشريط التي تتم في إطار تغلب عليه الحميمية وغياب الرضى عند نشر تلك الصور أو تلك الأشرطة على الشبكة العنكبوتية.

هذا بالفعل ما تنبه إليه المشرع الفرنسي كذلك عندما أظاف بموجب قانون الجمهورية الرقمية فقرة تعاقب على جريمة الإنتقام الإباحي الإلكتروني، أي أنه تتم معاقبة الجاني حتى في الحالة التي تكون الضحية قد أعطت موافقتها على التقاط صورة إباحية لها أو تسجيل شريط إباحي تظهر فيه.

خاتمة :

لقد فوت المشرع المغربي على نفسه بمناسبة مشروع قانون رقم 13-103 يتعلق بمحاربة العنف ضد النساء فرصة تجريم وعقاب مجموعة من الجرائم الرقمية التي أصبحت متفشية في المجتمع المغربي والتي تمثل عنفا رقميا يمارس على المرأة كل يوم.

وقد اطلعت على تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان حول مشروع قانون رقم 13-103 يتعلق بمحاربة العنف ضد النساء فلم أجد فيه تقريبا أي شيء يوحي أن اللجنة المحترمة لها علم كاف بهذا النوع من العنف لتضمنه في هذا القانون وتجعل المغرب يدخل على الأقل من الناحية القانونية في العصر الرقمي من بابه الواسع.


فإلى متى سيظل هذا الباب موصدا مشرعنا العزيز؟

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.