إشكالات الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة من خلال العمل القضائي.

جواد مبروكي : لا فرق بين التعليم المغربي و تربية البهائم

عدول المملكة : ربيع الإصلاح و سؤال المستقبل

16 فبراير 2018 - 1:17 ص تحت الواجهة , وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-
  • عبد السلام آيت سعيد : باحث في الحكامة التوثيقية و مقاصد الشريعة، عضو لجنة الحوار بالهيئة الوطنية للعدول.

لكل قصة بداية ولكل حادث حديث، ولكل مقام مقال وفي تاريخ حراك المنظمات والحركات والمهن والأحزاب بل المجتمعات نجد أن ثمة منعطفات وأحداثا نوعية تمر بها هذه المؤسسات تشكل علامة فارقة في تاريخها وتساهم في إعادة تشكيل وعيها وحراكها الفكري والثقافي والسياسي والمهني، ولا بد أن يعقب وقوع تلك المنعطفات والأحداث النوعية بعثرة العديد من الأفكار والتصورات السائدة..ذلك ما ينطبق على مهنة التوثيق العدلي بالمغرب…

إن نظرة خاطفة لما تعيشه اليوم “خطة العدالة”- مهنة العدول – من حراك ونقاش يكشف التحولات الفكرية الحادة في اتجاهات مختلفة إفراطا وتفريطا قوة وضعفا، فهل تستطيع “النخب القيادية” للهيئة الوطنية للعدول في استيعاب المستجدات والتحديات ورسم خريطة الطريق للخروج من عنق زجاجة الحدث النوعي الذي تعرفه المهنة والسير بها وفق آليات متزنة ومنتجة تعكس توابث المهنة، ومرجعيتها الفقهية والقانونية وتتفاعل مع متطلبات الواقع والعصر …

  • مدخل الإصلاح : تقدير المصلحة واعتبار المآل

ترتبط عملية الإصلاح والتصحيح في مسار “التوثيق العدلي” – خطة العدالة – بفقه الموازنة بين ما يعرض من المقترحات والحلول للمشاكل المهنية والتشريعية والتنظيمية على ضوء تقدير المصلحة والمفسدة واعتبار المآلات، وتحقيق المناط وفق الضوابط والشروط المنصوص عليها في مظانـها.

والوعي بهذه المنهجية في التحليل والتعليل هو الذي يمنحنا الرشد في استيعاب وتمثل الواقع واستشراف المستقبل دون السقوط في القطيعة التاريخية مع الموروث ودون الاستلاب والتبعية والذوبان في الحداثة المعاصرة.

فالتجديد والإصلاح المناسب “للتوثيق العدلي” ومهنة العدول يستوجب اعتبار المناسبة والسياق والحال والمآل.وعليه فمقاربة أزمة الشأن المهني للعدول وما يعرض في الساحة من قضايا ومستجدات – على رأسها القرار الملكي الذي فتح الباب للمرأة لولوج مهنة التوثيق العدلي -مرهون بالإصلاح الجذري للقانون المنظم للمهنة رقم (03.16).

وفي علم أصول الفقه هناك قواعد كثيرة تقرر ما يلي:

  • «إذا تقرر الحكم الشرعي وجب تعيين مناطه».
  • «الحكم التكليفي لا يأخذ صفة الحكم الشرعي إلا بالارتباط مع الحكم الوضعي المتعلق بالشروط والأسباب والموانع».

و اعتبار الواقع و مستجد دخول المرأة للتوثيق العدلي مقتضى من مقتضيات الحكم الوضعي. وبناء على ما تقدم، فالرؤية الإصلاحية لا تكون راشدة في تصورنا إلا إذا اعتمدت و ارتكزت على الضوابط السابقة، والفقيه المجدد هو من يعتمد في اجتهاده وتحليله وتعليله على معادلة الإحاطة بين الفهم للنص والوعي بالواقع.

وبموجب فهمنا لهذه المعادلة وإسقاطها و تنزيلها على الواقع المهني للسادة العدول،يطرح اليوم في عام 2018 موضوع :ربيع الإصلاح في قطاع مهنة العدول وسؤال المستقبل؟ !

وذلك في شروط تبرز فيها خاصيتان أساسيتان، تتجلى:

أولهما : في أرضية الإصلاح ما هي شروط إعادة بناء التوثيق العدلي تشريعا وتنظيما؟ !

هل هي شروط تتعلق:

أ-بالنص (القانون) أو (الفقه الإسلامي). ب-أم بالوعي والتأطير والتنظيم والبرنامج الثقافي والسياسي للعدول؟ !

أم هي تتعلق بتغيير جذري وانقلاب كلي على المنظومة التوثيقية بالمغرب، التي تتطلب بالنتيجة ليس فقط “الانتقائية” و”الترقيع” بل إعادة تأسيس “نظرية توثيقية عدلية” شاملة؟ ! من أجل بناء “مهنة حديثة” حقا،تسترجع مواقعها على الصعيد التوثيقي المهني وطنيا ودوليا التي ظلت حقبة من الزمن مرتعا وحكرا لمهن محدثة صنعت صنعا في مختبرات الاستعمار وأذنابه، التي استفادت من وسائل التمكين التشريعي والترويج الإعلامي وحماية اللوبي …

مقال قد يهمك :   ملاحظات على القرار الدستوري بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المغرب

فأي تشخيص اليوم، وأي اقتراحات تطرحها غدا “الهيئة الوطنية لعدول المغرب” من أجل تحقيق اختراقات ونجاحات في الإصلاح والتغيير؟ ! وكيف نقرأ في هذا الإطار التحاق “المرأة” بمهنة التوثيق العدلي؟ !

-هل هو انتصار لخيار الحداثة والديموقراطية والإنصاف والتجديد؟ ! أم هو نكاية لخيار المحافظين والتقليديين والسلفيين؟ !

-أم هو قدر محتوم لا راد له يضع العدول بين مطرقة التطور والاندماج في العصر وزمن العولمة، وسندان التهميش والموت السريري؟ !

أما الخاصية الثانية : في هذه الشروط فتتجلى في ضرورة صياغة “نص تشريعي” جديد للتوثيق العدلي يستجيب لطموحات السادة العدول مع اعتبار ذلك ورشا مستعجلا وهو إحدى خلاصات “توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة” وشعار “لجنة الحوار” الممثلة للهيئة الوطنية لعدول المغرب، التي اشتغلت لمدة ثلاث سنوات في هذا الورش.

فإعادة تعديل قانون (03.16) تعديلا جوهريا يستجيب للمعايير الدولية ومقتضيات الأمن التعاقدي ويواكب سياسة انفتاح المغرب على نظام اقتصاد السوق والاستثمارات الاجنبية … ويتلاءم كذلك مع الاتفاقيات الدولية وحقوق الانسان المتعلقة بالتمييز ضد المرأة … يعتبر خيارا استراتيجيا بالنسبة للعدول الموثقين، وهو خيار مفكر فيه وحاضر بقوة في جسم العدول، يستلزم من الجهات الوصية [السلطة التنفيذية/ وزارة العدل] و[السلطة التشريعية/البرلمان ونواب الأمة] إرادة سياسية واضحة تتجاوز كل الحسابات السياسوية والأنانيات الفئوية والتعبيرات الفرجاوية والفلكلورية … المعروضة في “بازار الحرف”… هذا الخيار يحتاج بالضرورة إلى قرارين أساسيين: قرار سياسي، وقرار إرادي، ينزلان في الحال و المحل للانتقال من الشعار إلى الفعل، ومن أجل رفع التحديات المطروحة والصعبة أمام المهنة وأهلها.

فأي تأجيل للإصلاح العميق والشامل لقانون (03.16) المنظم لخطة العدالة سيؤدي بالزج بهذا “التوثيق” وبهذه الشريحة المهنية “السادة العدول” في المجهول.

إن من دواعي ومسوغات تشبث السادة العدول وهيئتهم بمطالب الإصلاح هو توفير شروط الانفتاح والنمو والظهور والتطور وتجميع كل مؤهلات التأثير الفعلي في مجال المعاملات الأسرية والمالية والتجارية والبنكية والعقارية…

وذلك من خلال قانون شامل غير معطوب وتكوين مستمر يتوخى الحضور الوازن في المجتمع وإبداع آليات جديدة للتوثيق والتواصل والارتباط بالفئات العريضة الشعبية سواء في المدن أو القرى.

  • إصلاح التوثيق العدلي رهين بالحكامة الرشيدة :

لقد أضحى اعتماد “الحكامة الجيدة” – كمفهوم دستوري- في إصلاح منظومة التوثيق العدلي ضرورة ملحة وشرطا أساسيا في عملية الإصلاح المنشود، قصد تأهيله للاضطلاع بدوره على المساهمة في بناء المشروع المجتمعي الحداثي الذي انخرط فيه المغرب.

وفي هذا السياق لا مناص للسلطتين التنفيذية (وزارة العدل) والتشريعية (البرلمان) من اعتماد المقاربة التشاركية في تدبير شأن العدول ومهنتهم إن على مستوى هندسة السياسة التوثيقية بالمغرب أو على مستوى صياغة النص القانوني المنظم للمهنة، مقاربة مبنية على الإسهام الفعال “للهيئة الوطنية لعدول المغرب” في تخطيط وتدبير وتقييم شؤون المهنة وحل المشكلات المطروحة في القطاع، ومن أجل التوضيح لمقومات هذه الحكامة نقترح نوعا من التصنيف المنهجي في خطوطه العريضة والمتمثلة في ما يلي:

مقال قد يهمك :   القضاء الإدارى المصري: عدم تنفيذ الأحكام القضائية مسؤولية رئيس الدولة

1) التدبير بالنتائج : من أجل تحقيق الأهداف المتوخاة من التوجيه الملكي في الموضوع:”اتخاذ التدابير اللازمة” ومن أجل تحقيق الاصلاح، لابد من نهج مسلك “التدبير بالنتائج” قصد تحقيق تغييرات ملموسة في منظومة التوثيق العدلي قصد تحسين الممارسة المهنية والرفع من المردودية الفردية والقطاعية والمؤسساتية، واستباق الأخطاء والمخاطر والمشاكل وتتبع الفرضيات…

مثلا: (800 مرشح) للمهنة = هل هذا الرقم مبني على دراسة ميدانية ومجالية؟ ! هل تم إشراك الهيئة الوطنية في هذا القرار؟

لابد من إطار قياس الإنجازية والأثر المنشود [Effet Escompté]. وحسن الإشراف والتنسيق وتوجيه الموارد البشرية …، أما إغراق المهنة بالمعطلين وخريجي الجامعات بدون دراسة وتخطيط .. فهو ذبح بمبرد وليس بسكين؟ !

2) المشاركة الفعالة : المقرونة بالمسؤولية والشفافية في تدبير الشأن المهني وذلك بإشراك السادة العدول في النقاش الديموقراطي والتعبير بحرية وبكل مسؤولية حول مصير مهنتهم، لتجنب القرارات المرتجلة التي لا يقتنعون بها أو لا تخدم الصالح العام.

مع استصحاب وسائل التواصل والتحسيس والإقناع من أجل تخطي الصعوبات وربح الرهانات.

3) التخطيط الاستراتيجي : يتميز هذا التخطيط بكونه ينطلق من قاعدة العدول عبر هياكل الهيئة الوطنية والآليات الديموقراطية للإشراك والتشاور من أجل تحديد الحاجات وضبط الأولويات .. ضمن المقاربة الاستباقية المعمول بها في الدراسات المستقبلية، مثال ذلك –الملف المطلبي للهيئة الوطنية لعدول المغرب- الذي لا يقبل التأجيل في الظرف الراهن:

1.التعجيل بتعديل قانون (03.16) : ويتضمن الضروريات:

  • التلقي الفردي بدون قيود باستثناء الزواج والطلاق.
  • رفع خطاب القاضي.
  • توسيع دائرة نفوذ الإشهاد على الصعيد الوطني بخصوص العقار المحفظ.
  • صندوق الإيداع.
  • منح الهيئة الوطنية صلاحية التأديب على غرار ما هو معمول به في هيئات أخرى.
  • اعتبار النظام الداخلي للهيئة الوطنية للعدول ملزما وتوفير الآليات القانونية لتفعيله.
  • التسمية: التوثيق العدلي/ العدل الموثق.
  • إلغاء المادة 48 من قانون (03.16) مطلقا.

2.التغطية الصحية.

3.تعديل تعريفة الأجور والأتعاب.

وأختم هذه المقومات المنهجية للحكامة التوثيقية الرشيدة بالقول: إن توفير المعطيات الضرورية وإجراء المقارنة مع المهن القضائية الأخرى. من حيث النجاعة والمردودية .. يعد في الوقت الراهن للجهات الوصية على القطاع ومهني التوثيق العدلي تحديا حقيقيا على مستوى اتخاذ القرار وتنزيله على أرض الواقع.

  • فائض القول و خصاص الفعل

المشهد المهني للسادة العدول في هذه اللحظة التاريخية حمَّال أوجه، يكاد ينطبق عليه ما يسمى عند الفقهاء بــ “قاعدة الإشتباه” أو قوله تعالى: «إن البقر تشابه علينا».

هذا “الاشتباه” و”الالتباس” المصيري للمهنة قسم العدول إلى قسمين:

  • قسم متفائل مطمئن ينزع نحو الأحسن والأفضل ويلتمس الاعذار والمخارج ويبشر بالحلول ويعد بالمكاسب.. وبالربيع وأغلب هذا القسم يصنف في خانة القيادة والتسيير والقرب من صناع القرار .. علاقته بالقاعدة كرجال الإطفاء مع اندلاع النيران … يتماهى مع النقط والفواصل وينشغل عن المتن المهني الأساس …
  • و القسم الثاني: متشائم تكشف ملامح خطابه عن الخوف من مـجريات الواقع ومصير المهنة حالا ومآلا .. المستقبل مجهول ..، ومنعطف العدول غير مأمون .. وفصلهم خريف .. وأوراق شجرتهم المهنية ستتساقط تباعا …
مقال قد يهمك :   نبيل تقني : الدفع بعدم الاختصاص النوعي و المكاني بين المحاكم العادية و الإدارية

والأجمل في الفريقين أن المطمئن الواثق من نفسه ومن الله تعالى يستطيع أن يأخذ بيد الخائف الضعيف ويشركه في أمره، رغم السجالات اللاذعة التي لا تنتهي .. والتي تفيض قولا وتشح فعلا.

عندما تحين لحظة المصير .. وسؤال المستقبل؟ ! ينبغي تقويم “منهجية تدبير الشأن المهني والتنظيمي”.

-هل ينفصل سؤال التدبير المرحلي الاجرائي المرتبط بولوج المرأة للمهنة ؟؟ [تحت عنوان:”التدابير اللازمة المستعجلة”].

عن السؤال المركزي العام المتعلق بمصير المهنة ككل؟ !

هل يمكن في مثل هذه اللحظة التاريخية حيث التحولات الكبرى والمفصلية التي تعيشها المهنة أن نختزل الإصلاح في ولوج المرأة لخطة العدالة؟ ! بينما قيادة الهيئة الوطنية للعدول لم توفر بعد للسؤال المركزي المطروح أعلاه لا جوابا تصوريا ولا سياسيا نقابيا ولا دفترا اقتراحيا !! خصوصا أن اللحظة لحظة حراك … ما هو برنامج الهيئة الوطنية في استثمار هيئات وجمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والفعاليات الحقوقية … ما هي خطة التواصل مع وسائل الإعلام … ما هي الورقة التصورية للموضوع والقضية …؟ !

أين نصيب العدول من حق المعلومة … والقرار…. حذاري من مد العدول الأبطال المناضلين المحتجين بعطر البصل بدلا من عطر الريحان والعود … المفاوض في سوق السياسة يحتاج إلى المقايضة بالمواقف والثبات على المبادئ – رابح- رابح- والسياسة فن الممكن، والخبراء في العمل السياسي والنقابي المهني يدركون خطورة سماسرة الأرصدة في الملفات المطلبية الساخنة.

لا أُحَمِّلُ إخواني وزملائي في قيادة الهيئة الوطنية للعدول تبعات الإخفاق والتعثر – لا قدر الله- ولا أرمي حبل مشنقة مسؤولية المصير المهني حول أعناقهم إن تلاحموا بالقاعدة … واستحضروا القارعة والأمانة .. وما أدراك ما القارعة…

فنحن في لحظة تاريخية تكبر خلالها الضرورة والحاجة إلى الفصل بين الأشخاص والأحداث والقضايا والأفكار فالعقول الصغيرة تناقش الأشخاص والعقول المتوسطة تنغمس في الأحداث والعقول الكبيرة تشتغل بالقضايا والأفكار.

فهذه العقول الكبيرة الحكيمة في “خطة العدالة ” بمثابة قربة الماء التي تروي عطش القيادة الميدانية التنظيمية في بيداء المدافعة والمناكفة مع الانتباه لسموم الأفاعي والعقارب عند مواطئ الأقدام …

والمواقف الحازمة لا تعني رفع سقف الشتائم ضد الخصوم والأعداء .. بل المواقف الجادة في صفوف أبناء الهيئة ومناضلي المهنة أنفسهم شريطة أن لا يكون السقف السياسي عند السادة العدول مثقوبا فتنزل منه قطرات الخراب والضمور..

و في الختام أقول :

إذا أرادت الدولة وبمعية صناع القرار أن يُوصلوا سفينة العدول إلى بر الأمان فعليهم أن يتخلصوا من المقاربات التقنية والتجزيئية، وأن يرسموا للتوثيق العدلي بكل شجاعة وبصوت مرتفع رؤية إصلاحية شاملة وبنيوية تستجيب لمتطلبات التنمية المستدامة وتحديات العولمة .. فالرهان على التشريع .. و تأهيل العدول بالتكوين المستمر بدون ترقيع ولا هشاشة فذلك القرار الشجاع حق من الحقوق المكتسبة لأقدم مهنة عمرت في المغرب قرونا طوالا إنه يساوي مهنة متطورة متجددة وغنية بكل أشكال الثروة المعرفية والبشرية والتوثيقية.. وما خاب من تشبع قراره بالصدق مع الله والوطن وتخللت مسارب روحه وفكره بالمصلحة العليا للوطن وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.