أي دور للولاة و العمال في الجماعات الترابية؟

ما الفرق بين القاضي الحاكم بالإعدام و القاتل المتسلسل؟

قضية الهيني… اجتهاد محكمة النقض وإعادة الاعتبار.

13 فبراير 2018 - 4:44 م وجهة نظر
  • حجم الخط A+A-
  • ذ. عبد اللطيف مشبال : مستشار سابق بمحكمة النقض و رئيس غرفة، محام بهيئة البيضاء

تزخر حالة الاستاذ الهيني المهنية، وما عرفته من تطورات كقاضي سابق، اسهم بجد ومثابرة في بلورة اجتهاد قضائي اداري مرجعي،ثم الي نائب وكيل عام ، وما تعرض اليه من عزل من سلك القضاء لأسباب تتعلق بعدم احترامه لحرية التعبير المقيد حسبما نسب اليه ،اي بمراعاة واجب التحفظ الملقي علي كاهل القاضي، ثم التحاقه بمهنة المحاماة بتطوان اثر قبوله من الهيئة هناك، وهو القرار الذي تم إلغاؤه من طرف غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بهذه المدينة، ، وختاما صدور قرار لمحكمة النقض الذي أعاد الأمور الي نصابها بنقض القرار سالف الذكر،، نقول ان هذه الحالة تزخر بتنوع ، ومعطيات ، وان شئنا، وعلي الأخص ، بحقيقة ان القانون ،عندنا، لا زال أسير إستقلالية نسبية،و هو ما يكون قد عبر عنه أرسطو بقوله : “نحن نبحث عن التفرقة بين العدل في ذاته ، والعدل داخل المجتمع”.

اذ تفيد الحقائق الارضيّة ان هناك خللا في تطبيق القانون، مما يعني وجود تباين بين النصوص القانونية التي تعد متقدمة،وبين فهمها وتطبيقها رغم وضوحها في العديد من الحالات .

وحالة الاستاذ الهيني تشي بما سلف ذكره.ومن ثم اعتقد ان رجل القانون مدعو الي بذل جهد اكبر عبر إيلاء مزيد من التعمق في دراسة الاحكام القضائية، وتحليل مضامينها، وان صح القول تفكيك أجزائها وصولا لمعرفة مدي انسجامها في تطبيق النصوص القانونية،في نقد نزيه وصارم.

وعموما ، هل يمكن القول ان رجل القانون يمكنه ان يعيش مرتاحا، اذا كان ملما بالقانون مع ما يفرزه التطبيق،،؟ام آن الاوان لتشكيل جبهة واسعة من هؤلاء الغير مرتاحين والافصاح عما تستره صدورهم،،؟

مقال قد يهمك :   د.عبد الله بوصوف : فصل السلطات.. ضمانة للديمقراطية والحرية

ان مناسبة هذه المساهمة هو اطلاعي الْيَوْمَ من خلال بعض المواقع علي قرار محكمة النقض الموما اليه أعلاه، الذي صدر بغرفتين برآسة الاستاذ منصف ( رئيس القسم المدني الرابع) وعضوية السادة المستشارين أعضاء هذا القسم، اضافة الي الاستاذ غزيول برادة ( رئيس القسم الثاني بالغرفة الإدارية ) والسادة المستشارين أعضاء هذه الغرفة.

وتولي القرار تأويل النص المعتمد من طرف قرار محكمة الاستئناف بتطوان المنقوض، وكرس تقعيدا رائعا في مستهله كالتالي:

”ان العبرة في النصوص بغاياتها،و للوسائل حكم المقاصد ، فيجوز قياس وسيلة علي اخري تماثلها اذا كان لهما نفس المقصد، وهذا يقتضي شمول النص للحالات المذكورة منه، وما يقايسها اذا اتحدت الغاية وانتفي الدليل علي الحصر”

وهكذا اعادت محكمة النقض للعدالة اعتبارها حينما نقضت القرار سالف الذكربسبب خرقه القانون، فحققت بذلك الهدف الأمثل من تأسيسها الاوهو إصلاح ما قد يكتنف الاحكام النهائية من عيب، وتوحيد كلمة القضاء بخصوص القواعد القانونية، وهو ما يتجلي من تقعيد لهذه القواعد، الامر الذي من شانه، ولا شك ، تدعيم واستقرار الأمن القضائي ، وتحقيق المصلحة العامة.

ويحق القول ان قرار محكمة النقض المذكور يعتبر من القرارات الرائدة التي تدخلت من خلالها لمنح التفسير السليم لاحكام القانون، اذ لا مراء في ان للمحكمة العليا مراقبة ما اذا كان قد أغفل قضاة الموضوع الأخذ بالفهم الصحيح للنصوص المستدل بها من الأطراف مما يكون له تأثير علي حكمهم.

ولعل الأهم من هذا ان محكمة النقض تغلغلت في تفسير القصد من سن المشرع احكام المادة 18 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، في نطاق صلاحياتها كمحكمة قانون،بقولها :

“ان الغاية من ذلك هو تمكين المهنة من التجربة المهنية لقدماء القضاة ما دام انها نصت علي إعفائهم من الحصول علي شهادة الأهلية لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين، قدماء القضاة الذين قضوا علي الاقل ثمان سنوات ، علي الاقل، في ممارسة القضاء وقدماء القضاة من الدرجة الثانية او من درجة تفوقها بعد قبول استقالتهم او إحالتهم علي التقاعد ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي”.

مقال قد يهمك :   محمد الهيني : ملاحظات قانونية حول مغالطات ديكسون محامي بوعشرين.

واعادت محكمة النقض التذكير ان الحالتين المنصوص عليهما في تلك المادة ليست علي سبيل الحصر ، وإنما تبنيه بالأدني علي الاعلي، فيندرج في ذلك حالة العزل وكافة الحالات التي يغادر فيها القاضي ،من تلك الدرجة، سلك القضاء دون ادانة سواء قضائية او تأديبية، وكلها تدخل في حكم المادة الخامسة من نفس القانون التي اشترطت في المرشح لمهنة المحاماة الا يكون مدانا قضائيا او تاديبيا بسبب ارتكابه أفعالا منافية للشرف والمروءة او حسن السلوك

ونتيجة هذا التحليل الدقيق لاحكام المادة الثامنة عشرة المذكورة تجلي لمحكمة النقض ان إلغاء محكمة الاستئناف بتطوان لقرار تسجيل ذ الهيني بهيئة المحامين ، حينما حصرت مناط تسجيل قدماء القضاة بهذا الجدول في الحالتين المنصوص عليها في المادة المذكورة دون سواهما، واعتبرت كل سبب تأديبي مانع من الانخراط في مهنة القضاء، تكون قد خرقت القانون، فسايرت محكمة النقض بذلك مضمون النعي المؤسس عليه الوسيلة الأولي.وبديهي ان هذا القرار ملزم لمحكمة الإحالة لكونه بت في مسالة قانونية بحتة.

لا يسعني في النهاية سوي تهنئة ذ. الهيني مرة اخري علي هذه النتيجة التي انتهي اليها ، بفعل صموده وعدالة قضيته، وحنكة دفاعه،آملا له التوفيق والسداد في مهنة النبلاء من اضرابه.

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.