المشكاة في جائحة كورونا: مؤلف حديث يرصد أثر الجائحة على القانون والاقتصاد والمجتمع

المرأة المغربية : مكتسبات قانونية وواقع إداري

مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي بين حرفية النص الدستوري و الاجتهاد القضائي المغربي.

19 أكتوبر 2020 - 3:26 م مقالات , القانون الخاص , في الواجهة , مقالات
  • حجم الخط A+A-

العزوزي جمال  باحث في العلوم القانونية


تعليق على قرار محكمة النقض عدد: 897ِِ/3 المؤرخ في 04/10/2018 ملف إداري عدد: 2727/4/3/2016 


الــــــــوقائع:

يستفاد من أوراق الملف و محتوى القرار المطعون فيه أنه بتاريخ 24 أبريل 2014 تقدم السيد… أمام المحكمة الإدارية بالرباط بمقال عرض فيه أن السيد وزير العدل قد أعطى أمرا كتابيا إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة العدل الخاصة بفتح تحقيق ضده مع إيداعه بالسجن و بالنظر لعدم الاستماع إليه و عدم ورود اسمه بمحاضر الضابطة القضائية تم اعتقاله بتاريخ 25/08/2003 و بعدما تبين لقاضي التحقيق أن وثائق التحقيق لم يرد بها اسمه قرر الانتقال إلى محكمة الاستئناف بتطوان بتاريخ 13 أكتوبر 2003 متقمصا دور مفتش في وزارة العدل للبحث في المخالفات المهنية المنسوبة إليه رافضا رفع حالة الاعتقال التي مدد فترتها مرتين ثم أحاله على المحكمة التي منحته السراح المؤقت بتاريخ 28 يناير 2004 بعدما قضى خمسة أشهر و ثلاثة أيام رهن الاعتقال و بتاريخ 21 أبريل 2004 صدر قرار ببراءته و تطبيقا لمقتضيات الفصلين 22 و 122 من الدستور و لجسامة الضرر الحاصل له نتيجة الاعتقال الاحتياطي فإنه يلتمس الحكم على الدولة المغربية بأدائها له تعويضا قدره مليون درهم مع النفاذ المعجل و الصائر،و بعد جواب الوكيل القضائي للمملكة و تمام الإجراءات أصدرت المحكمة حكمها برفض الطلب،استأنفه الطالب فأصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط قرارها المطعون فيه قضى بتأييد الحكم المستأنف.

في وسائل الطعن مجتمعة للارتباط:

حيث يعيب الطالب على القرار المطعون فيه خرقه للقواعد المسطرية بحيث تقدم بطلب يرمي للوقوف أمام قاضي التحقيق لم تستجب إليه المحكمة، و أن الطالب أسس طلبه على كون مدة الاعتقال شكلت خطأ قضائيا موجبا للتعويض ذلك أن الطالب تم اعتقاله على خلفية شبهة ارتكاب فعل جرمي مرتبط بتجارة المخدرات في حين أن محاضر الفرقة الوطنية و كذا اعترافات المتهمين لم تتضمن اسم الطالب كما أن قاضي التحقيق أمر باعتقاله دون مراعاة لمقتضيات المادة 153 قانون المسطرة الجنائية التي حددت معايير و ضوابط يجب احترامها من طرف قاضي التحقيق قبل إيداع المتهم بالسجن،و هو الأمر الذي لم تتطرق له المحكمة مصدرة القرار.

لكن و كما ذهبت إلى ذلك عن صواب محكمة الاستئناف الإدارية فإن مسؤولية الدولة المغربية عن الخطأ القضائي يقتضي البحث عن أركان المسؤولية و هي ثبوت خطأ من طرف قاضي التحقيق و ضرر لحق بالطالب و علاقة سببية بين هذا الخطأ و الضرر،و أن المحكمة من خلال إسقاط الوقائع على المقتضيات المنظمة لعمل قاضي التحقيق فإن هذا الأخير قد باشر عمله استنادا لملتمس مقدم من الوكيل العام للملك لدى هذه المحكمة بناء على أمر كتابي من طرف وزير العدل،و أن كافة الإجراءات التي باشرها قاضي التحقيق في النازلة مستمدة من مقتضيات الفصوص 9 و11و 12 من الظهير الشريف رقم: 1.72.157 بتاريخ 6 أكتوبر 1972 المنظم لمحكمة العدل الخاصة، و أن تدبير الاعتقال الاحتياطي هو سلطة خولها المشرع لقاضي التحقيق تبعا للمعطيات الواردة في وثائق الملف لتنتهي بحق إلى أن صدور حكم ببراءة الطالب لا يمكن اعتباره كشفا عن عدم مشروعية الإجراءات التي باشرها قاضي التحقيق و ثبوت خطأ من جانبه و هي {المحكمة} باعتمادها المعطيات القانونية و الواقعية أعلاه تكون قد عللت قضاءها بما فيه الكفاية و الوسائل على غير أساس[1].

لهذه الأسباب:

قضت محكمة النقض برفض الطلب و تحميل الطالب الصائر.

التعليق.

يندرج قرار محكمة النقض بشكل عام داخل أحد المواضيع  المهمة التي تناولها القضاء الإداري بالدراسة وذلك في إطار نظرية مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية أو كما يحب أن يسميها البعض مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية حاسمين النقاش بذلك قبل أن يبدأ لكون مسؤولية الدولة عن أنشطة  و أعمال السلطة القضائية  عندهم لا يمكن أن تكون ناتجة إلا عن أخطاء وبالتالي لا يمكن تصور انعقاد هذه المسؤولية في غياب عنصر خطأ منسوب إلى جهاز القضاء، ويفضل كاتب هذه السطور تسميتها بمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية ليس رغبة في حسم النقاش واعتبار مسؤولية الدولة عن أنشطة و أعمال القضاء يمكن قيامها حتى عند غياب عنصر الخطأ ولكن لكون مفهوم مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية يبقى أكثر شمولية من مفهوم مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية نظرا لكون مصطلح الأعمال قد يتضمن الأخطاء كذلك،فكل الأخطاء القضائية هي أعمال قضائية لكن ليس كل الأعمال القضائية هي أخطاء قضائية،هذا دون أن ننسى التذكير بأنه ليس كل ما يصدر عن جهاز القضاء يعتبر عملا قضائيا صرفا فقد تصدر عن السلطة القضائية أعمال ذات طبيعة إدارية باعتبارها مرفقا عموميا،لكن ما يهم في هذا النقاش هو التركيز على الأعمال التي تحمل الصبغة القضائية لا الإدارية.

و يندرج موضوع قرار محكمة النقض بشكل خاص في إطار نوع محدد من المسؤولية عن العمل القضائي و هي مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي و هو تدبير مخول للسلطة القضائية المكلفة بالتحقيق اتخاذه باعتقال المتهم و إيداعه السجن إلى أن يتم انتهاء التحقيق،و الحقيقة أن قانون المسطرة الجنائية المغربي لم يضع تعريفا محددا لهذا التدبير و اكتفى بتحديد و تنظيم شروط هذا التدبير من خلال الفصول من 175 إلى 188 من قانون المسطرة الجنائية،بينما عرف الفصل 618 المعتقل احتياطيا بكونه “كل شخص تمت متابعته جنائيا و لم يصدر بعد في حقه حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به”[2].

و من خلال ملاحظة الفصل 618 يتضح مدى الأهمية التي يمكن أن يطرحها موضوع مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي، فنحن نتحدث عن تدبير تلجأ إليه سلطة التحقيق يمس أحد أهم الحقوق الفردية و هو الحق في الحرية في ظل غياب حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، بمعنى بقاء المتهم عند تعرضه لهذا الإجراء و إيداعه السجن محصنا بمبدأ قرينة البراءة، و هو افتراض براءة المتهم كأساس إلى أن تثبت إدانته بموجب حكم قضائي حائز لحجية الشيء المقضي به[3]، فبمقارنة مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي مع المسؤولية الإدارية بشكل عام عن الأعمال القضائية و خاصة الأحكام القضائية، نجد أن المتضرر من هذه الأخيرة في حالة انعقاد مسؤولية الدولة قد وقع عليه الضرر بالاستناد على أساس قوي و هم حكم قضائي يعتبر عنوانا للحقيقة و حائز لحجية الشيء المقضي به تم بموجبه إيداع المتضرر السجن، في حين أن ضرورات التحقيق التي يتم بسببها إيداع المتهم السجن بموجب قررا الاعتقال الاحتياطي لا تشكل أساسا متينا يرقى إلى قوة الحكم القضائي.

و يجدر التنبيه إلى أن مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية بشكل عام في المغرب تجد أساسها في عدة نصوص قانونية، بدأت بنصوص خاصة في البداية قصد تضييق نطاق هذا النوع من المسؤولية و يتعلق الأمر بمسطرة مخاصمة القضاة الذي نظمت مقتضياته الفصول من 391 إلى 401 من قانون المسطرة المدنية و مسطرة مراجعة الأحكام القضائية التي نظمت مقتضياته بموجب الفصول من 563 إلى 574 من قانون المسطرة الجنائية، لينتهي الأمر بالمشرع المغربي إلى توسيع نطاق هذا النوع من المسؤولية لأول مرة من خلال مقتضيات الفصل 122 من دستور 2011 الذي جاء فيه “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة”[4] ليفتح المشرع المغربي المجال لتكريس هذا النوع من المسؤولية بشكل عام دون الاقتصار على النصين السابقين.

لقد مرت تسع سنوات على تكريس المشرع المغربي لهذه المسؤولية بشكل عام من خلال نص الدستور دون أن تواكبها نصوص خاصة تكرس هذه المسؤولية و تنظم شروطها بالنسبة لأنواع محددة من الأعمال القضائية  كما هو الشأن بالنسبة للنصين السابقين المتعلقين بمسطرة مراجعة الأحكام القضائية و مسطرة مخاصمة القضاة،و ذلك بخلاف بعض التشريعات كالتشريع الفرنسي و التشريع الجزائري، فقد نظم القانون الفرنسي 70-643 بتاريخ 17 يوليوز 1970 أحكام وشروط مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي و قد سار المشرع الجزائري على نفس النهج من خلال قانون الإجراءات الجزائية الجزائري، فهل سيشكل غياب  نص خاص ينظم مقتضيات وشروط التعويض عن الاعتقال الاحتياطي عائقا أمام اعتراف القضاء المغربي بوجود هذا النوع من المسؤولية؟ و كيف يمكن للقضاء الإداري المغربي استثمار النص العام الذي يؤسس لمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية المتمثل في الفصل 122 من الدستور لملء الفراغ الذي سببه غياب النص الخاص المتعلق بالتعويض عن الاعتقال الاحتياطي التعسفي أو غير المبرر؟ و هل يسعف المقتضى الدستوري العام في خلق هذا النوع  الخاص من المسؤولية عن الأعمال القضائية؟ و إلى أي حد يمكن القول أن استثمار القضاء الإداري المغربي للنص العام يحقق النجاعة المطلوبة لبناء مسؤولية الدولة عن هذا النوع من الأعمال القضائية بشكل يراعي السير الحسن لعمل سلطة التحقيق و النيابة العامة بشكل متوازن مع الحماية الضرورية التي يجب أن يحظى بها المواطن اتجاه الأضرار المترتبة عن هذا النوع من التدابير؟

المطلب الأول: التزام القضاء المغربي بحرفية النص الدستوري في إقرار مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي.

جوابا عن السؤال الذي وضعناه أعلاه “هل سيشكل غياب  نص خاص ينظم مقتضيات التعويض عن الاعتقال الاحتياطي عائقا أمام اعتراف القضاء المغربي بوجود هذا النوع من المسؤولية”،وبالرجوع إلى تعليق محكمة النقض المتضمن بالقرار الذي بين أيدينا الذي جاء فيه ” لكن و كما ذهبت إلى ذلك عن صواب محكمة الاستئناف الإدارية فإن مسؤولية الدولة المغربية عن الخطأ القضائي يقتضي البحث عن أركان المسؤولية و هي ثبوت خطأ من طرف قاضي التحقيق و ضرر لحق بالطالب و علاقة سببية بين هذا الخطأ و الضرر”،يتضح أن القاضي الإداري المغربي يقر بإمكانية انعقاد مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي باعتباره عملا قضائيا ينطبق عليه المبدأ العام لمسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية الذي أسس له الفصل 122 من الدستور،لكن المحكمة من خلال هذا التعليل قد قيدت انعقاد هذا النوع من المسؤولية بوجود خطأ قضائي منسوب إلى قاضي التحقيق، و هو الأمر الذي نفته المحكمة بحجة أن هذا الأخير قد باشر عمله استنادا لملتمس مقدم من الوكيل العام للملك لدى هذه المحكمة بناء على أمر كتابي من طرف وزير العدل،و أن كافة الإجراءات التي باشرها قاضي التحقيق في النازلة مستمدة من مقتضيات الفصول 9 و11و 12 من الظهير الشريف رقم: 1.72.157 بتاريخ 6 أكتوبر 1972 المنظم لمحكمة العدل الخاصة، و أن تدبير الاعتقال الاحتياطي هو سلطة خولها المشرع لقاضي التحقيق تبعا للمعطيات الواردة في وثائق الملف نافية بذلك وجود عنصر الخطأ في عمل قاضي التحقيق و بالتالي عدم إمكانية انعقاد مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي رغم وجود ضرر لحق المدعي من جراء اعتقاله ووجود علاقة سببية بين فعل سلطة التحقيق والضرر الذي لحق به ببقائه مدة خمسة أشهر و ثلاثة أيام رهن الاعتقال، و صدور حكم ببراءته من التهم المنسوبة إليه.

مقال قد يهمك :   "مهنة المفوض القضائي: بين القانون والواقع " موضوع الدورة العلمية الثانية للمفوض القضائي المتدرب

بحيث التزمت محكمة النقض في تعليل قرارها على التأويل الحرفي لنص الفصل 122 من الدستور الذي يربط إمكانية الحصول على التعويض و قيام مسؤولية الدولة بوجود خطأ قضائي.

 وهذا التوجه ليس غريبا عن القضاء الإداري المغربي في إطار مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي فقد جاء  سابقا في تعليل حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 2013/07/25 ، ملف رقم 613/12/2012 ، ” إن عدم تنفيذ النيابة العامة لمقرر المحكمة ،بإحضار المتابعين لجلسات المحكمة بالمخالفة للأسس الدستورية و القانونية الوطنية و الدولية ،ألحق ضررا مباشرا ماديا و معنويا للمدعي تمثل في تفويت فرصة المحاكمة العادلة عليه وبقائه أكثر من سنة بدون محاكمة في حالة اعتقال احتياطي ،غير مبرر مس بمبدأ قرينة البراءة و بحريته، وما سببه ذلك من أثر نفسي ومعاناة و ألم من جراء هذه الإجراءات ، و تحملات مادية عن مصاريف الدفاع ،فقد ارتأت المحكمة تبعا لسلطتها التقديرية في تحديد التعويض المناسب لجبر الضرر”[5].

فرغم كون هذا الحكم يختلف عن القرار الذي بين أيدينا في اعترافه بوجود خطأ منسوب إلى النيابة العامة تسبب في بقاء المتضرر تحت طائلة الاعتقال الاحتياطي لأكثر من سنة بدون محاكمة و بالتالي وجوب قيام مسؤولية الدولة هنا إلا أن الحكم و القرار يلتقيان في تشبثهما بالتأويل الحرفي للنص الدستوري بالتركيز على عنصر الخطأ كشرط  أساسي لانعقاد مسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي،كما أن كلا من الحكم و القرار قد تجاهلا عنصر البراءة الذي حصل عليه المتهم بعد المتابعة التي أدت إلى اعتقاله احتياطيا، بحيث ذهبت محكمة النقض في القرار الذي بين أيدينا إلى أن “صدور حكم ببراءة الطالب لا يمكن اعتباره كشفا عن عدم مشروعية الإجراءات التي باشرها قاضي التحقيق و ثبوت خطأ من جانبه”،فيما لم تتطرق المحكمة الإدارية في حكمها لهذا العنصر من الأساس.

و الواقع أنه يمكن تطبيق الاستنتاج بمفهوم المخالفة  للرد على تعليل محكمة النقض لنقول إذا كان الحكم  ببراءة الطالب لا يمكن اعتباره كشفا عن عدم مشروعية الإجراءات التي باشرها قاضي التحقيق و ثبوت خطأ من جانبه فإن الحكم بإدانة الطالب لا يمكن اعتباره كشفا عن مشروعية الإجراءات التي باشرها قاضي التحقيق و عدم ثبوت خطأ من جانبه.

بمعنى في كلا الحالتين يبقى احتمال الخطأ و عدمه واردا ولا يمكن نفيه سواء بإدانة الطالب أو براءته لذلك فلا يمكن التعويل على هذا النوع من التعليل الذي ينطوي على الاحتمالات و يكون من المفيد إهمال التركيز على سبب الضرر هل هو وجود خطأ من عدمه بالتركيز على النتيجة و هي الضرر الحاصل وذلك بترك ما هو محتمل و هو الخطأ و التركيز على ما هو ظاهر و أكيد و هو الضرر الذي وقع على المعتقل الذي ثبتت براءته بعد قضائه خمسة أشهر و ثلاثة أيام رهن الاعتقال الاحتياطي و هو جوهر نظرية مسؤولية الدولة على أساس المخاطر، بحيث يتم الاكتفاء بوجود عنصر الضرر و فعل الدولة وهو هنا إجراءات التحقيق  و علاقة سببية بين الفعل و الضرر دون إرهاق المتضرر بإثبات وجود خطأ منسوب إلى قاضي التحقيق الذي استند بدوره إلى ملتمس مقدم من الوكيل العام للملك بناء على أمر كتابي من طرف وزير العدل و دون تكبده عناء البحث في هذه السلسلة من الأوامر للبحث عن الجهة التي يمكن أن ينسب إليها الخطأ.

كما تكمن أهمية المسؤولية الإدارية بناء على المخاطر في كونها تتناسب مع عمل بحساسية و صعوبة أعمال السلطة القضائية بحيث تمكن هذه المسؤولية من تجنيب رجال القضاء  الإرهاق الناتج عن تتبع أعمالهم بموجب نظرية المسؤولية المبنية على الخطأ التي تظل راصدة لأعمالهم على أمل إيجاد الأساس الذي تنبني عليه و هو عنصر الخطأ،بحيث أن كثرة إثارة الأخطاء المنسوبة إليهم بموجب هذه المسؤولية سيشكل قيدا إضافيا يجعلهم متحفظين في عملهم خشية إثارة دعوى المسؤولية بناء على خطأ منسوب إليهم،بحيث يصعب أحيانا و نظرا لكثرة الأعباء الملقاة على رجال القضاء أن يخلو العمل القضائي بشكل تام من الأخطاء.

و بالرجوع لقرار محكمة النقض  فإن التعليل الذي قدمته إذا كان من شأنه نفي عنصر الخطأ عن عمل قاضي التحقيق بحجة أن هذا الأخير قد باشر عمله استنادا على ملتمس مقدم من الوكيل العام للملك  بناء على أمر كتابي من طرف وزير العدل فإنه ليس مضمونا إمكانية نفي هذا الخطأ بالنسبة للوكيل العام للملك و لوزير العدل مادام المتضرر قد حظي بالبراءة من التهمة المتابع بها و هي قد تشكل مؤشرا قويا على وجود خطأ في المتابعة.

و من المفيد  أن نشير هنا إلى أن  القاضي الإداري المغربي قد سبق له الاعتراف بقيام المسؤولية الإدارية عن أعمال السلطة القضائية بناء على نظرية المخاطر و ذلك دون تحميل المتضرر  عبئ إثبات خطأ منسوب إلى السلطة القضائية  و الاكتفاء بالتركيز على وجود ضرر ظاهر ووجود علاقة سببية بين فعل السلطة القضائية و الضرر،  و ذلك في ظل وجود نص قانوني خاص ينظم هذا النوع من المسؤولية عن هذا النوع من  الأعمال القضائية و دون أن يتضمن هذا النص نظرية المخاطر كأساس يجب أن تنبني عليه مسؤولية الدولة و الأمر يتعلق هنا بمسطرة مراجعة الأحكام القضائية التي نظم مقتضياتها قانون المسطرة الجنائية.

– نظرية المخاطر كأساس لمسؤولية الدولة عن مراجعة الأحكام القضائية:          

  يمكن أن تترتب مسؤولية الدولة عند إصدار حكم بالبراءة على من سبقت إدانته بحكم نهائي،وجاء هذا الحكم بالبراءة بناء على مراجعة الحكم الأول بعد التماس إعادة النظر فيه،وهذا ما ينص عليه الفصل 573 من قانون المسطرة الجنائية[6].

  وينظم التماس إعادة النظر في حكم جنائي والمعروف بالمراجعة بمقتضي الفصول 563 إلى 574 من قانون المسطرة الجنائية[7].

  ويفتح باب المراجعة لتدارك خطأ واقعي تضرر منه شخص حكم عليه من أجل جناية أو جنحة (الفصل 565) ولا تقبل المراجعة إلا عند تعذر أي طريقة أخرى من وسائل الطعن (الفصل 565).

  ويمكن تقديم طلب المراجعة في أربع حالات نص عليها الفصل 566 وهي:

  أ- إذا صدرت عقوبة في دعوى القتل وأدلي بعد ذلك بمستندات أو حجج ينجم عنها قيام قرائن أو علامات كافية تدل على وجود المجني عليه المزعوم قتله.

  ب- إذا صدرت عقوبة وصدر بعد ذلك حكم ثاني يعاقب متهما آخر، أو شخصا متهما، أو متابعا من أجل نفس الفعل، بحيث لا يمكن التوفيق بين الحكمين، أو يتبين من تضاربهما قيام الحجة على براءة أحد المحكوم عليهما.

  ج- إذا جرت بعد صدور الحكم بالإدانة متابعة أحد الشهود الذي سبق الاستماع إليه،وحكم عليه من أجل الشهادة بالزور ضد المتهم أو الشخص المتابع، ولا يمكن أثناء المناقشات الجديدة الاستماع إلى الشاهد المحكوم عليه بهذه الصفة.

  د- إذا طرأ بعد صدور الحكم بالإدانة أو اكتشف أمر أو وقع الاستدلال بمستندات كانت مجهولة أثناء المناقشات ومن شأنها أن تثبت براءة المحكوم عليه.

  وفي إطار تطبيقات القضاء الإداري المغربي لهذا النوع من المسؤولية فقد ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الحكم عدد 865 بتاريخ 15/11/2006 إلى أنه “بناء على المقال الافتتاحي للدعوى الذي تقدم به المدعي إلى كتابة الضبط بتاريخ 03/02/2006، يعرض فيه المتضرر أنه كان ضحية خطأ قضائي فادح حينما صدر عليه قرار غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بالجديدة بالسجن المؤبد عن جريمة قتل، وتم إيداعه بالسجن الذي قضى به قرابة عشر سنوات، وأن القرار الذي أدانه كان خطأ في ملف 57/93 تم إلغائه بعد ظهور الجاني الحقيقي الذي أدين بمقتضى قرار مبرر بالإدانة، وذلك بواسطة مسطرة المراجعة التي آلت إلى صدور القرار 935/1 بتاريخ 06/07/2005 عن المجلس الأعلى في الملف الجنائي 5962/2005 وأوضح العارض بأن الخطأ الفادح المتمثل في إدانته وإصدار الحكم عليه بالسجن المؤبد واعتقاله كان عبارة عن كارثة دمرت حياته وحياة زوجته وأولاده.

مقال قد يهمك :   يونس مليح: المجلس الأعلى للأمن بين التأطير الدستوري ورهانات التنزيل

  وقد ذهبت المحكمة إلى أن الدولة تكون مسؤولة عن أعمال السلطة القضائية المترتبة عن مسطرة المراجعة، وأن ظهور واقعة أو مستندات جديدة بعد الحكم النهائي بالإدانة لم تكن معروفة من قبل وتثبت براءة المحكوم عليه ترتب الحق في الحصول على تعويض تتحمله الدولة، وأساس التعويض هنا ليس الخطأ بل المخاطر ولا يلزم طالب التعويض بإثبات كون صدور الحكم الملغى يرجع إلى خطأ القضاء”[8].

  و يمكن القول هنا أن إقرار مسؤولية الدولة عن الأحكام القضائية التي تمت مراجعتها يستند على كون الضرر الذي لحق الشخص هو ناتج  عن سبب أجنبي  عنه وعن مرفق القضاء كذلك بحيث لا يتحمل فيه هذا الأخير مسؤولية الإخلال أو التقصير وبالتالي لا يمكن تحميل المسؤولية هنا لمرفق القضاء على أساس الخطأ، لكون الضرر قد نتج  غالبا عن سبب أجنبي كما هو موضح في الشروط التي تضمنها الفصل 566 من قانون المسطرة الجنائية، لكن ذالك لا يجعلنا نلغي كل رابطة بين فعل أو نشاط  مرفق القضاء المتصف بالخطورة و بين الضرر الواقع،إذ لولا هذا النشاط لما وجد الضرر، لذلك يفسح المجال هنا لنظرية المخاطر كصمام أمان لحماية حق المتضرر في التعويض، إذ ليس مبررا تحمل شخص واحد لهذه المخاطر الناتجة عن أنشطة مرافق الدولة خصوصا مع جسامة الضرر المترتب عنها، بل تتحمله الجماعة ككل، وبما أن الدولة هي الممثلة للجماعة فبالتالي تتحمل هي التعويض عن هذا الضرر وهذا ما يسمى بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة و هو المرتكز النظري الذي تنبني عليه نظرية المخاطر .

وإذا أرضنا وضع نوع من المقارنة بين هذا الحكم و قرار محكمة النقض موضوع التعليق فوجه التشابه بين القرار و الحكم هو أن كلا المتضررين بريئين الأول  تضرر من إجراء قضائي هو الوضع رهن الاعتقال الاحتياطي و الثاني تضرر من حكم قضائي حائز لحجية الشيء المقضي به، وقد استندت المحكمة الإدارية للدار البيضاء على جسامة الضرر الواقع على الشخص و ذهبت إلى أن المتضرر ليس ملزما بالبحث عن خطأ ينسب إلى مرفق القضاء لإمكانية انعقاد مسؤولية الدولة و استحقاقه للتعويض بحيث أن المسؤولية هنا تبنى على المخاطر و ليس على الخطأ رغم ما جاء  بالفصل 565 من قانون المسطرة الجنائية “ويفتح باب المراجعة لتدارك خطأ واقعي تضرر منه شخص حكم عليه من أجل جناية أو جنحة”، و بعكس ذلك ذهبت محكمة النقض إلى ربط قيام عنصر المسؤولية بوجود خطأ منسوب إلى سلطة التحقيق رغم أن نظرية المسؤولية الإدارية تتسم بالشمولية فهي مسؤولية الدولة ككل ممثلة في مرفق القضاء، كما أن الاعتقال الاحتياطي كإجراء قضائي لا يمكن أن يرقى إلى مستوى الحكم القضائي بحيث يتمتع هذا الأخير بقوة الشيء المقضي به باعتباره عنوانا للحقيقة و يمنع البث في النزاع مرة أخرى من طرف محكمة أخرى[9]، و تسقط بموجبه قرينة البراءة التي يتمتع بها المتهم، بينما يبقى الاعتقال الاحتياطي إجراء مساعدا لهيئة التحقيق على البحث في القضية ولا يتمتع بقوة الشيء المقضي به،و يظل المتهم الموضوع تحت طائلة الاعتقال الاحتياطي محصنا بمبدأ قرينة البراءة، و بذلك يمكن القول و استنادا على التحفظ الذي تعاملت به محكمة النقض أن المحكمة الإدارية للبيضاء كانت أولى بتحصين الحكم القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به ضد دعوى المسؤولية الإدارية  المبنية على نظرية المخاطر من محكمة النقض بحيث لا يمكن أن يرقى الاعتقال الاحتياطي كإجراء قضائي لقوة الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به.

و قد استندت المحكمة الإدارية على نص قانوني خاص ينظم شروط التعويض عن الأضرار التي يسببها مرفق القضاء متعلق بنوع خاص من الأعمال القضائية و هي الأحكام القضائية بناء على مسطرة المراجعة، بينما استندت محكمة النقض على نص عام هو الفصل 122 من الدستور متعلق بمسؤولية الدولة عن جميع الأعمال القضائية {حتى لا أقول الأخطاء} بشكل عام و طبقته على نوع خاص من هذه الأعمال و هو الاعتقال الاحتياطي الذي تلجأ إليه سلطة التحقيق لتسهيل عملية البحث و استجلاء الغموض عن القضية.

و بناء على ما سبق يتضح أن اجتهادات القضاء الإداري المغربي  في النماذج التي سقناها تختلف في تطبيق أساس مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية بين النص العام و النص الخاص،فهي تستند على نظرية المخاطر عند تطبيق النص الخاص، و تتشبث بالمسؤولية المبنية على عنصر الخطأ عند تطبيق النص العام.

المطلب الثاني: التوجهات الحديثة للقضاء الإداري بالنسبة لمسؤولية الدولة عن الاعتقال الاحتياطي.

دأب مجلس الدولة الفرنسي بالنسبة لتطبيق مسؤولية الدولة عن المخاطر على عدم التقيد بالحالات التي وردت في القوانين، و يمنح التعويض كلما تبين بجلاء أن القواعد العامة للمسؤولية الإدارية بناء على الخطأ تتنافى بشكل ملموس مع قواعد العدالة،فأحيانا يتدخل المشرع ليكرس تطبيقا من التطبيقات القضائية بموجب نص تشريعي، و حينئذ يتقيد مجلس الدولة بالقواعد التي رسمها المشرع لهذه الحالة،سواء بالشروط التي تؤدي لانعقاد المسؤولية أو بنطاق التعويض أو بمن يتحمل العبء النهائي للمبلغ المحكوم[10]،و هو الأمر الذي التزمت به إدارية الدار البيضاء في الحكم الذي عرضناه سابقا بحيث استعرضت الشروط التي نص عليها قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالاستفادة من التعويض عن طريق مسطرة مراجعة الأحكام القضائية.

و بخلاف ذلك فقرار محكمة النقض و مع غياب نص تشريعي ينظم قواعد التعويض عن الاعتقال الاحتياطي لم يلتزم بالمبدأ الذي كرسه مجلس الدولة الفرنسي أعلاه بتطبيق نظرية المخاطر عندما يتبين بجلاء أن القواعد العامة للمسؤولية الإدارية بناء على الخطأ تتنافى بشكل ملموس مع قواعد العدالة،بحيث تجاهل القرار حصول المتضرر على البراءة من التهمة المتابع بموجبها ولم يعتبرها مؤشرا كافيا لاستحقاق التعويض و قيام مسؤولية الدولة.

و الواقع أن الإشكال في أساس المسؤولية عن الاعتقال الاحتياطي في المغرب بين حرفية النص الدستوري و الاجتهاد القضائي يمكن حسمه بموجب نص تشريعي يحدد شروط و ضوابط التعويض عن الاعتقال الاحتياطي كما فعل المشرع الفرنسي و المشرع الجزائري، بحيث كرس كلا التشريعين عنصر البراءة كشرط جوهري و كمؤشر واضح على استحقاق التعويض.

  • التعويض عن الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي.

نظم المشرع الفرنسي مقتضيات و شروط التعويض عن الاعتقال الاحتياطي بموجب القانون 70-643 بتاريخ 17 يوليوز 1970 و قد أدخلت على هذا النص عدة تعديلات أهمها ما ورد بالقانون رقم:2004-204 بتاريخ 9 مارس 2004،ولم يكن هذا التدخل التشريعي إلى استجابة إلى ما ينادي به الفقه و ما كرسه الاجتهاد القضائي الفرنسي على نحو أدى إلى إرساء نظام خاص للتعويض عن الاعتقال الاحتياطي[11].

و تتطلب المادة 149 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي عدة شروط يجب توافرها حتى يتسنى للشخص الذي حبس احتياطيا عن فعل ما ثبت عدم مسؤوليته عنه أن يطالب بالتعويض عما أصابه من أضرار مادية و معنوية جراء هذا الحبس الاحتياطي و تتمثل هذه الشروط فيما يلي:

  • أن يثبت أن الشخص فعلا تم حبسه احتياطيا بقرار صادر من جهة التحقيق أو المحاكمة.

      هذا مع عدم استحقاق المعتقل احتياطيا للتعويض إذا كان القرار بعدم المتابعة أو الحكم بالبراءة مبنيا على الأسباب التالية:

  • ثبوت إصابته عند ارتكاب الجريمة باضطرابات نفسية و عصبية.
  • إذا كان الإفراج عن المحبوس احتياطيا هو نتيجة لعفو لاحق على هذا الحبس.
  • إذا ما ثبت لاحقا تقادم الدعوى الجنائية بعد الإفراج على المعتقل احتياطيا.
  • إذا كان حبس المتهم احتياطيا الذي ثبت عدم مسؤوليته قد تم لسبب آخر.
  • إذا ما تسبب الشخص بفعله في حبسه احتياطيا.

 

  • أن يصدر قرار بألا وجه أو بالإفراج أو حكم بالبراءة يصبح نهائيا.

و ذلك بأن تصدر سلطة التحقيق قرارا بألا وجه لإقامة الدعوى أو تقرر الإفراج عن المتهم إذا ثبت أنه ليس مسئولا عن الفعل الذي سبق و أسندته إليه أو يصدر حكم نهائي بالبراءة.

  • تحقق ضرر لطالب التعويض.

و يمكن أن يكون الضرر ماديا أو معنويا، ويجدر التنبيه إلى أن المشرع الفرنسي كان يتطلب الضرر الجسيم لإمكانية التعويض إلى حدود صدور القانون 96-1235 بتاريخ 30 دجنبر 1996 الذي ألغى توافر هذا الشرط في الضرر[12].

مقال قد يهمك :   سابقة بأمريكا: أشهر الولايات الأمريكية تمرر مشروع قانون يمنع الإجهاض نهائيا

و بالنظر إلى هذه الشروط التي تضمنها النص الفرنسي فإن المشرع لم يتطلب وجود خطأ منسوب إلى جهة التحقيق أو المحاكمة كشرط لإمكانية التعويض بل اكتفى بالتركيز على وجود عنصر البراءة والضرر.

و قد نصت المادة  المادة 61 من الدستور الجزائري على أنه ” يترتب على الخطأ القضائي تعويض من الدولة، ويحدد القانون شروط التعويض وكيفياته”[13].

و قد نصت المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري على أنه “يمكن أن يمنح التعويض للشخص الذي كان محل حبس مؤقت غير مبرر خلال متابعة جزائية انتهت في حقه بصدور قرار نهائي قضى بألا وجه للمتابعة أو بالبراءة إذا ألحق به هذا الحبس ضررا ثابتا و متميزا”[14].

بحيث يمكن القول أن المشرع  الجزائري لم يلتزم بحرفية النص الدستوري في تكريس عنصر الخطأ كشرط أساسي لقيام دعوى المسؤولية الإدارة عن الاعتقال الاحتياطي و بدل ذلك ركز على ضرورة  صدور قرار نهائي يقضي بألا وجه للمتابعة أو البراءة و على وجود ضرر مؤكد متميز يصيب الشخص، و رغم ما يمكن أن توحي به العبارة المتضمنة في المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري  {حبس مؤقت غير مبرر}[15] من كونها قد تعني ببساطة الخطأ بحيث إن كل حبس مؤقت غير مبرر هو حبس مبني على خطأ  فإنه يمكن القول أن هذا النص التشريعي قد أعطى الضوء الأخضر للقاضي الإداري لتجاوز القيد الذي وضعته المادة 61 من الدستور الجزائري التي قصرت كما فعل نظيرها المغربي {الفصل 122 من الدستور المغربي} قيام المسؤولية الإدارية عن الأعمال القضائية على توفر أركان المسؤولية التقليدية المعروفة في القانون المدني و هي الخطأ و الضرر و العلاقة السببية،بحيث يمكن القول لو أن رغبة المشرع الجزائري قد اتجهت صراحة إلى حصر مسؤولية الدولة عن الحبس المؤقت فقط بالاعتماد على الخطأ دون فتح المجال لنظرية المخاطر لجاء النص  الخاص صريحا بتكرار العبارة التي استخدمها المشرع في المادة  61 من الدستور الجزائري بحيث يمكن القول أن المشرع الجزائري سهل الأمر على القاضي الإداري لتطبيق المسؤولية الإدارية بدون خطأ في التعويض عن الحبس المؤقت استنادا على نظرية المخاطر أو مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة دون مخالفة النص التشريعي الخاص المتمثل في المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية.

كما تكمن أهمية وجود نص تشريعي خاص ينظم مقتضيات التعويض عن الاعتقال الاحتياطي هو تحديد الشروط الواجب توفرها للاستفادة من التعويض،بحيث لو فرضنا توفر هذا النص في القانون المغربي على غرار نظيريه الفرنسي و الجزائري لما تجاهلت محكمة النقض في قرارها موضوع التعليق عنصر البراءة الذي يتوفر عليه المتضرر بعد المتابعة، و الذي يعد أحد ركائز شروط التعويض عن الاعتقال الاحتياطي في الأنظمة المقارنة التي استعرضناها و لما اضطرت محكمة النقض إلى اتخاذ موقف متحفظ يعمد إلى تحصين أعمال السلطة القضائية المتعلقة بقرار الاعتقال الاحتياطي خشية  تحميل هيئة التحقيق أو النيابة العامة أو وزير العدل لمسؤولية قرار الاعتقال الذي شكل ضررا مباشرا للمدعي حيث قد رفض المشرع الفرنسي في القانون  70-643 بتاريخ 17 يوليوز 1970 الرجوع على القاضي أو عضو النيابة العامة الذي أصدر قرار الاعتقال الاحتياطي لطلب التعويض و إن كان بالإمكان الرجوع على من تسبب في حبس المتهم احتياطيا كالمبلغ بسوء نية و شاهد الزور،كما لم يتطلب المشرع الفرنسي لتقرير مسؤولية الدولة عن أضرار الحبس الاحتياطي  إثبات خطأ القاضي بحيث تنبني المسؤولية على أساس المخاطر وليس على أساس الخطأ[16].

و بإلقاء نظرة على كرونولوجيا المسؤولية الإدارية عن أعمال السلطة القضائية بالمغرب سواء على مستوى النص التشريعي أو على مستوى الاجتهاد القضائي الذي واكبه يمكن ملاحظة أن هذا النوع من المسؤولية قد تم تبنيه بشكل تدريجي وحذر بدءا بنصوص خاصة لا يمكن التعويض عن الأضرار التي تصيب الأفراد من جراء نشاط السلطة القضائية خارجها إلى إخضاع الأعمال القضائية لمعايير محددة  قصد تدقيق طبيعتها على اعتبار أن الأعمال الصادرة عن السلطة القضائية ليست كلها أعمال قضائية  ومن ثم إمكانية إخضاع الأعمال ذات الطبيعة الإدارية منها لرقابة القاضي الإداري[17] وصولا إلى الفصل 122 من الدستور الذي فتح المجال لإقرار هذا النوع من المسؤولية بشكل عام لكن مع حرص الاجتهاد القضائي على تطبيق أركان المسؤولية المدنية  الكلاسيكية التزاما بحرفية النص الدستوري و تجاهل خصوصيات المسؤولية الإدارية  بالنسبة للتعويض عن الاعتقال الاحتياطي و كأن القاضي الإداري المغربي يعتبر إقرار هذا النوع من المسؤولية  بناء على عنصر الخطأ جرعة كافية في هذه المرحلة للاجتهاد القضائي خصوصا مع غياب نص تشريعي ينظم هذا النوع من المسؤولية عن هذا الصنف من الأعمال القضائية.


الهوامش:

[1]– قرار محكمة النقض (الغرفة الإدارية) عدد: 897/3 المؤرخ في 04/10/2018، ملف إداري عدد: 2727/04/03/2016.

 2 – الفصل 618 من قانون المسطرة الجنائية 01-22، ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423 الموافق ل 03 أكتوبر 2002  بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية كما تم تعديله. 

[3] – نصت الفقرة الرابعة من الفصل 23 من الدستور المغربي الحالي ل2011 على “قرينة البراءة و الحق في محاكمة عادلة مضمونان”.

[4] – الفصل 122 من دستور المملكة المغربية 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011.

[5] – حكم المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 2013/07/25 ، ملف رقم 613/12/2012، منشور بموقع العلوم القانونية marocdroit.com،ضمن اجتهادات المحكمة الإدارية بالرباط، www.marocdroit.com.

[6]– الفصل 573 من قانون المسطرة الجنائية 01-22، ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423 الموافق ل03 أكتوبر 2002  بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية كما تم تعديله.

[7]– الفصول من 563 إلى 574 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بإعادة النظر، ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25 من رجب 1423 الموافق ل03 أكتوبر 2002  بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية كما تم تعديله.

[8] – حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، بتاريخ 15/11/2006، عدد 865، العمل القضائي في المنازعات الإدارية، الجزء الثاني سنة 2009، منشورات مجلة الحقوق المغربية، ص. 65.

[9] – المقصود هنا لا يمكن تجاهل مضمون الحكم القضائي بعرض النزاع من جديد على محكمة أخرى من جديد كأنه يعرض لأول مرة، و ليس المقصود حق التقاضي على الدرجة الثانية أو الثالثة بالاستئناف أو النقض.

[10] – سليمان محمد الطماوي: القضاء الإداري، الكتاب الثاني، قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام، طبعة 1968، دار الفكر العربي، ص:212.

[11] – أمين مصطفى محمد،مشكلات الحبس الاحتياطي  بين قيوده و التعويض عنه،دراسة مقارنة،مطبعة دار الجامعة الجديدة،طبعة 2010، الإسكندرية ص:113.

– أمين مصطفى محمد، مرجع سابق، ص:118. [12]

[13] – المادة 61 من الدستور الجزائري،الجريدة الرسمية رقم 76 بتاريخ 08 ديسمبر 1996، المعدل بالقانون رقم 16-01 بتاريخ 06 مارس 2016، الجريدة الرسمية رقم 14 بتاريخ 07 مارس 2016.

[14] – الفقرة الأولى من المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري،الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 يونيو 1966 الذي يتضمن قانون الإجراءات الجزائية المعدل و المتمم.

[15] – استخدم المشرع الجزائري مفهوم الحبس المؤقت عوض مفهوم الاعتقال الاحتياطي الذي استخدمه المشرع المغربي،و يمكن القول أن مفهوم الحبس المؤقت إلى حد ما يعد أقرب إلى قرينة البراءة  من الاعتقال الاحتياطي، بحيث يتبادر إلى الذهن عند سماع الأول أن هذا الحبس سينتهي ليعود المتهم إلى الأصل و هي  الحرية الناتجة عن البراءة فهو  مجرد حبس مؤقت، أما مفهوم الاعتقال الاحتياطي فيتبادر إلى الذهن عند سماعه افتراض الإدانة أكثر من افتراض البراءة بحيث يودع المتهم السجن احتياطا من أن يكون مدانا أو احتياطا من هربه أو احتياطا من ارتكابه جرائم أخرى، فمفهوم الحبس المؤقت ينصرف إلى الحبس في ذاته  دون سواه بينما  ينصرف مفهوم الاعتقال الاحتياطي  إلى المتهم أكثر مما ينصرف إلى الاعتقال.

[16] – محمد ماهر أبو العينين، التعويض عن أعمال السلطات العامة،التعويض عن أعمال السلطة التشريعية و السلطة القضائية، وتطور قضاء مجلس الدولة حتى عام 2013، الكتاب الثاني،الطبعة الأولى 2013،المركز القومي للإصدارات القانونية،القاهرة، ص :1041.

[17] – في هذا السياق عمل الفقه على تطبيق مجموعة من المعايير قصد تمييز أعمال السلطة القضائية و إفراز الأعمال ذات الطبيعة القضائية عن الأعمال ذات الطبيعة الإدارية،وقد بدءا بتطبيق المعيار الشكلي الذي يعتمد بالأساس على طبيعة الهيئة التي يصدر عنها العمل أو القرار لينتهي إلى الاستعانة بالمعيار الموضوعي كذلك و هو المعيار الذي لا يولي أهمية لطبيعة الهيئة صاحبة العمل و القرار بالتركيز على العمل في حد ذاته وتحليل طبيعته هل يندرج ضمن الأعمال الإدارية أم ضمن الأعمال القضائية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يمنع نسخ محتوى الموقع شكرا :)